عندما تكون جميع الأخبار «وهمية».. فبمن نثق؟

عندما تكون جميع الأخبار «وهمية».. فبمن نثق؟

الأربعاء - 15 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 14 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13896]
روث ماركوس
صحافية اميركيّة

كل ما بعد الحقيقة ليس إلا وهمًا زائفًا.
شهد انتخاب دونالد ترامب ازدهار مشهد ما بعد الحقيقة. فلقد تفوقت العواطف على الحقائق، ويسهل الاعتقاد من ذلك الشيء الكثير. لقد صرنا جميعًا كمثل شخصية «تينكر بيل» الكرتونية الشهيرة. فلتصفق إذا كنت تصدق التزوير في الانتخابات. ولتصفق أيضًا إذا كنت تشكك في دور الإنسان في التغيرات المناخية.
ولذا، عندما يزعم الرئيس المنتخب، من غير أساس حقيقي في الواقع، أنه كان يمكنه الفوز في التصويت الشعبي (إذا ما خصمنا أصوات ملايين الناس من الذين صوتوا بصورة غير قانونية)، فإن العبء العرفي للإثبات قد أصبح مهتزًا: أين (كما يسأله أتباعه، ومن دون لمحة حرج ظاهرة) هو الدليل على أن تلك المزاعم غير صحيحة؟
قال نائب الرئيس المنتخب مايك بينس لجورج ستيفانوبولوس في برنامج «هذا الأسبوع» على قناة «إيه بي سي» الإخبارية: «أنا لا أعرف أن هذا من قبيل المزاعم الكاذبة، كما أنك لا تعرف ذلك أيضًا». وقال رئيس موظفي البيت الأبيض القادم في إدارة الرئيس ترامب، الذي يتخذ موقفًا مشابهًا من اعتماد الحقيقة الراهنة حتى إثبات عكسها حيال التأكيدات الغريبة للسيد ترامب: «لا أعلم أن هذه المزاعم غير حقيقية».
وفي عالم ما بعد الحقيقة الذي نعيش فيه، فإن المؤسسات (من وسائل الإعلام، ومجتمع الاستخبارات) قد فقدت كل سهم من أسهم المصداقية تملكه. وبالتالي فإن ترامب، عندما تحدث إلى كريس والاس من شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية مؤخرًا، رفض على نحو مشابه ليس فقط استنتاج الاستخبارات المركزية الأميركية بأن روسيا قد تدخلت في الانتخابات الرئاسية دعمًا لموقف ترامب، ولكن حتى التقديرات الاستخبارية الأقل إثارة للجدل بأن روسيا كانت وراء عمليات التسلل والاختراق.
قال ترامب لوالاس: «شخصيًا، يمكن أن تكون روسيا. ولكنني لا أعتقد حقًا أنها وراء الأمر. ولكن من يدري؟ فأنا لا أعرف فعلاً. إنهم لا يعرفون وأنا لا أعرف». أجل، يمكن للاستخبارات أن تخطئ، وهي النقطة التي علق عليها فريق ترامب الانتقالي يوم الجمعة الماضي في رد كتابي على تقرير صحيفة «واشنطن بوست»: «إنهم نفس الأشخاص الذين قالوا إن صدام حسين يملك أسلحة الدمار الشامل».
ولكن الشكوك المعقولة حول كلام الاستخبارات هو أحد الأمور، والموجز، والرفض المؤيد ذاتيًا من دون الانخراط الفعلي في هذا التحقيق، هو أمر آخر. ولقد كان هذا السلوك مسببًا لكثير من الصدمات بما فيها الكفاية من مرشح لأحد الأحزاب الكبيرة.
ومن جانب الرئيس المنتخب، فهي حالة من عدم المسؤولية المريعة. ليس هناك رئيس منتخب يود الاستماع إلى تقدير استخباري يقول إن هناك دولة أجنبية تدخلت في دعم حملته الرئاسية. والرئيس المنتخب المسؤول سوف يريد الاستماع للأدلة عن ذلك وينظر في خيارات الرد عليها. ومن السهولة الشديدة، في عالم ما بعد الحقيقة، الاعتقاد بكل شيء يقال، وتوجيه اللوم في أي وقت نحو أي شخص يقبع في منزله في نيوجيرسي مثلاً.
ومع كون الحقائق من الموضات القديمة، فإن الخطوة التالية التي لا ترحم سوف تكون الحد من كل الأخبار إلى نفس المستوى من عدم الثقة وعدم التصديق. وإن لم يكن هناك ما هو صحيح، فيمكن لكل شيء أن يكون كاذبًا.
لا يمكن اعتبار ترامب مسؤولاً عن انفجار الأخبار الكاذبة، ولكنه يبدو برفقة مستشاريه في منتهى الغبطة باستغلال تلك الأخبار. وغرد ترامب عبر حسابه على موقع «تويتر» صباح السبت يقول: «التقارير الواردة على حساب شبكة سي إن إن بأنني سوف أواصل العمل في برنامج ’The Apprentice‘ خلال فترة الرئاسة، حتى ولو بدوام غير كامل، هي أخبار سخيفة، وكاذبة - أخبار زائفة!».
وعلى نحو مماثل، غرد الناطق الرسمي باسم فريق ترامب الانتقالي، شون سبايسر، مهاجمًا التقرير الإخباري الصادر عن صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن أن روسيا قد اخترقت النظام الحاسوبي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وقال إن القصة الإخبارية كانت بمثابة «العرض الأول في الأخبار الزائفة». ولقد بسط نيوت غينغريتش، مستشار السيد ترامب، القول بصورة أكثر وضوحًا، إذ قال: «إن فكرة قلق صحيفة نيويورك تايمز حول الأخبار الزائفة هي فكرة غريبة للغاية. إن صحيفة نيويورك تايمز هي الأخبار الزائفة ذاتها»، على نحو ما صرح لشون هانيتي من شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية.
إن الصحافة هي مهنة غير كاملة بطبيعتها. إننا نكتب المسودة الأولى فقط من التاريخ - وبأفضل ما في وسعنا، رهنا بالتصحيح المستمر والمراجعة الحصيفة. ولكن هناك فارقًا بين الخطأ الحتمي والخطأ العمدي. وللطمس المتعمد لهذا التمييز هو كمثل التقويض المتعمد للدور المركزي الذي تلعبه وسائل الإعلام في المجتمعات الحرة.
وهذا هو المكان الذي خرج منه ترامب عن القاعدة وعن الحدود. وجميع السياسيين يستاءون من تغطيتها. في عام 1992، مررت حملة جورج بوش الأب ملصقًا يحمل عبارة «ضايقوا الإعلام، وأعيدوا انتخاب بوش». ولكن لهجة هجمات ترامب التي لا تتوقف على «وسائل الإعلام غير المحترمة» وحماسه الغريب في إثارة الغوغاء ضدها، تشكل نزعة أكثر تهديدًا مما فعله أي رئيس سابق منذ ريتشارد نيكسون.
ولقد كتب توماس جيفرسون عبارة شهيرة تقول إنه يفضل أن تكون هناك صحف من دون حكومة من أن تكون هناك حكومة من دون صحف. ومن شأن فريق ترامب أن يتخذ خيارًا آخر، على الأقل عندما يتعلق الأمر بحكومته الخاصة.
وإذا لم يكن ذلك في متناول يديه، فسوف ينطلق ترامب إلى خياره الثاني الأفضل: المجتمع الذي تكون كل الحقائق فيه مطواعة وكل الأخبار قابلة للشكوك. فأي صوت، وأية رؤية، وأية سلطة سوف تستحق الثقة حينئذ؟ لا يفصح ترامب عن ذلك بطبيعة الحال، ولكن الأمر ليس عصيًا على التخمين.
* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة