عصر الجُدُر

عصر الجُدُر

الأربعاء - 1 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 30 نوفمبر 2016 مـ رقم العدد [13882]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
بناء جدار حول مخيم عين الحلوة في صيدا، أحدث أنباء الجدران المتداولة في بورصة الأخبار، فهل يكون آخرها؟ الأرجح أن الإجابة كلا، إذ يبدو أن العالم، الذي هلّل لهدم حائط برلين، مقبل على عصر تشييد جُدُر، بدءًا بسور الفصل ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مرورًا بحديث يتردد أحيانًا بشأن استبدال أنفاق سيناء بسور يعزل قطاع غزة عن مصر، وليس انتهاءً بجدار دونالد ترامب على حدود أميركا مع المكسيك.
لماذا، عوض المضي قدمًا مع انفتاح عالم «القرية الصغيرة» على بعضه بعضًا، تصر أطراف عدة على السير إلى الخلف، إنْ في شأن الممارسة اليومية للحياة، تنظيرًا وتطبيقًا، أو بما يعني الشأن العام، كما هو الحال مع تشييد جدران الفصل بين البشر؟ سوف يُقال لمن يسأل، إنه الأمن. صحيح، وهو ذريعة معتبرة، فأمن الشعوب أمر يجوز - وفق مدارس سياسية عدة، شرقًا وغربًا - أن يتقدم على غيره، بما في ذلك حرية الناس، تقدمها، مدارسها، مشافيها، وجوانب رفاهيتها كافة. إنما في السياق ذاته، يصحّ القول أيضًا إن تلك حالة غير عادية تفرضها في العادة ظروف طارئة، كحالة الحرب الضروس، مثلاً، ومن ثم يصعب القبول بذريعة الأمن مبررًا لدحض أي اعتراض، أو نقاش، أو تساؤل بشأن جدوى إجراء ما، مثل بناء جُدر العزل بين البشر.
وإذ الشيء يُذكّر بأشياء، وجدتني أتساءل ماذا لو جرى فرض تقسيم فلسطين بالقوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين قبل تسعة وستين عامًا؟ أقصد هنا قوة منطق الإقناع المسنودة بقوات عسكرية محايدة تتبع الدول العظمى. الحق أنني حاولت تجنّب ذكر القرار (181) الصادر بتاريخ 29 - 11 - 1947 لكني لم أستطع. وأنَّى لي إغفال الموضوع بينما أرى العالم يسير، بحمق شديد، نحو مزيد من أشكال التقسيم والانفصال؟ سوف أضع جانبًا قصة انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، جدار أميركا - المكسيك، معركة كسر العظام المقبلة في فرنسا بين فرنسوا فيون ومارين لوبان، إذ الأولى التساؤل عمّا حلّ أو قد يحلّ بالعالم العربي من أشكال التقسيم والفصل، أليس واضحًا ما انتهى إليه عراق ما قبل خطيئة غزو الكويت؟ إلى أين تمضي سوريا، وكيف هو وضع ليبيا ما بعد ألغاز «الربيع العربي»؟ ما الذي حل بجنوب السودان بعدما انفصل عن الشمال؟ ثم هل يستعيد لبنان عافيته بعد هُزال سنوات طحن أهله بفتن من كل صوب ولون؟
كلا، قبل القفز إلى أي استنتاج مُسبق، لست هنا بصدد الاعتراض على رفض قرار تقسيم فلسطين. ذلك الموقف من جانب كل عواصم العرب، تساندهم دول إسلامية، ومعهم كوبا واليونان والهند، كان موقفًا منسجمًا مع منهاج ذلك الزمن، ومستجيبًا لمنطق التمسك بحقوق ثابتة لأصحاب الأرض الشرعيين، وهو ما يفسّر لماذا هرع الساسة الإسرائيليون زمنذاك يمارسون ضغوط الإغراء مع طرف، والإكراه مع آخر، لأجل التصويت لصالح القرار، حتى أن جيمس فورستال، وزير الدفاع الأميركي آنذاك، ضمَّن مذكراته وصفًا لما جرى بقوله: «إن الطرق المستخدمة للضغط ولإكراه الأمم الأخرى في نطاق الأمم المتحدة كانت فضيحة».
الواقع أن موقف الرفض العربي لقرار 1947، صحيح تمامًا، وفي الآن نفسه صحيح كذلك الموقف الفلسطيني الحاصل بعد واحد وأربعين عامًا، عندما قرر المجلس الوطني بالجزائر (15 - 11 - 1988) قبول القرار (181) مع الاحتفاظ بحق تحفظ المظلوم على ما لحق به من ظلم. لقد شاءت الأقدار أن أشهد تلك اللحظة التاريخية بالجزائر، ورأيت كيف راح بعض الساسة الفلسطينيين يتصرفون بفرح غامر وبأسلوب يثير العجب، كأنما الأرض تحررت والدولة قامت بالفعل، بينما المنطق يقول إن الطريق صعب وإنه يتطلب إرساء أسس قوية للبناء على ما تحقق.
في هذا السياق، يجوز التساؤل، لماذا أصيب الجسم السياسي المسؤول عن مستقبل الشعب الفلسطيني بعجز حال دون الاستمرار في البناء الإيجابي، رغم معوقات كان واضحًا لكل ذي عقل أن دهاة ساسة إسرائيل يتفننون في نصب فخاخها، فيستجيب لها، ويقع في شراكها، سياسيو القضية وزعماء تنظيماتها؟
لعل فهم أسباب ذلك العجز يعين على عدم استمرار الحال الفلسطيني على ما هو عليه. ومع ضرورة الاعتراض على نهوض جدار مخيم عين الحلوة، يظل الأجدى أن يحصل ما يزيل الجدران المشيدة داخل صدور زعماء الفصائل الفلسطينية، بدل أن تزداد صلابة، وتتمدد مسافات الفصل بين الفلسطينيين أنفسهم، ذلك أن أقفال الصد تختم القلوب، وتوصد أبواب الحلول. ها أنا ذا أختم ما أكتب، فيتراءى لي «حنظلة» ناجي العلي يتسلق جدار المخيم شاهرًا لسان الغضب المعهود، وسوف أستأذن فأضيف من عندي: متى يفيق كل من يغط في سبات الانقسام العميق؟

التعليقات

محمود مجدي
البلد: 
فلسطين
30/11/2016 - 09:27

استاذي الكاتب رغم ألم نكاية الجراح والتذكير بما مضى وتأثيره على ما هو آت فانني أقدر محاولتك الدائمة بالتحذير والتذكير والتفكير لعل من كان غافيا أن يصحو وكلنا نعرف المقولة المشهورة لاهل مدينة المجدل "يا ريتهم قسموا" رؤية جيدة لما آل اليه حالنا واليوم يأتي أسؤا من الامس والله يرحمنا من الغد رحمة الله على ابو رقيبة طالب بالصلح مع اسرائيل وكانت الضفة الغربية وقطاع غزة في ايدى العرب وقامت الدنيا ولم تقعد ضده والسادات عندما اقدم على اتفاقية كامب ديفيد ودعى الفلسطينين للمشاركة أتهم بالخيانة وها نحن الان تتهم منظمة التحرير بالتفريط والتنازل لانها تحاول انقاذ ما يمكن انقاذه ولدى سؤال الان ما الذي يدعو اسرائيل لاعطاء اى حقوق للفلسطينين بعد مهازل الربيع العربي والانقسام الفلسطيني فهي في أفضل اوضاعها التاريخيه ونحن في أسؤا الظروف ونسأل الله الفرج

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
30/11/2016 - 11:19

إذا كان هنالك من لا يتفهم ، او من لا يريد ان يفهم ، أو منتفع ، فهل هذا يعني ان ينتهج معظم النجباء حذو من سبق ذكرهم . إذا كان هنالك عائلة فيها أخ عاق أو اناني فهل هذا يحتم على الأشقاء كلهم بان يصبحوا مثله ، إنني أعرف أخا ميسورا يرفض مساعدة اخاه الفقير ، فيذهب هذا المسكين إلى اخيه الآخر ، فما يكون منه إلا أن يقول وماذا عن أخيك السابق ، لماذا لم يساعدك ! ، وهذا يعني أنّ ما هو سيء يصبح عاما ، اما ما هو جيد فنغمض اعيننا عن رؤيته !

الروائي خلوصي عويضه
البلد: 
فلسطين المحتلة
30/11/2016 - 18:22

مع أن أقفال القلوب باتت صدئة لكن لربما لو صح العزم ثمرة صدق النوايا واستنارالعقل بفهم يقارب او يناسب تحديات الواقع لأمكن تدارك او الحد من تداعيات كوارث ما وقع بما يتعلق بالشأن الفلسطيني في مخيمات الشتات والوطن أما على الصعيد العالمي فيبدو أن لوثة جنون وهستيريا الأمن اصابته بحمي القلق ومرض الخوف نتيجة غياب العدل وعدم إنصاف الخصوم بالفكر او بمنازلة الميدان فلا عجب ان يحصد الإنسان هذا الكم الهائل من الخيبات المتلاحقة ويتجرع مرارة غربة النفس عقلا وقلبا عن استفحال هذيان هذا الزمان ... المقال مزيج عجيب هو الآخر من الألم والحزن والروعة والجمال فدام سحر هذا القلم وشكراً للصحيفة الغراء.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة