عكس العولمة: اليمين يتجه يسارًا

عكس العولمة: اليمين يتجه يسارًا

الأربعاء - 22 صفر 1438 هـ - 23 نوفمبر 2016 مـ رقم العدد [13875]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

«الشقيقات السبع: شركات البترول الكبرى والعالم الذي صنعته» لم يكن أبرز ما نشره الصحافي والكاتب البريطاني أنتوني سامبسون. لكنه بالتأكيد الكتاب الذي عرف العالم عليه. كان سامبسون قد نشر قبله «تشريح بريطانيا»، الذي احتل قائمة الكتب الأكثر رواجا في حينه. ويقال إن سبب رواجه هو تحليله العميق والموثق لدور الشركات الكبرى في صناعة السياسة البريطانية.
اتخذ سامبسون اتجاها مماثلا حين أصدر «الشقيقات السبع» في 1974، وخلاصته أن شركات البترول الدولية الكبرى تخوض منافسة شرسة فيما بينها، لكن سياساتها جميعا تمهد الطريق إلى هدف واحد، هو إلغاء الحدود والعوائق السيادية للدول، وصولا إلى جعل العالم كله سوقا مفتوحة لعملياتها. ويعتقد سامبسون أن تلك الشركات الهائلة القوة، قد نجحت في تغيير سياسات الكثير من دول العالم، بل وتدخلت في صراعات سياسية أثمرت عن تغيير الحكومات التي لم تستجب لحاجاتها، في الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
لم يكن مفهوم «العولمة» قد ظهر يومذاك كمصطلح قياسي. لكن كتاب سامبسون فتح الباب أمام عشرات من المقالات والكتب الأخرى، التي تتحدث عن «عالم جديد» أبرز سماته زوال الحدود المعيقة لحركة رأس المال وقوة العمل والتكنولوجيا، أي التمظهر الرئيسي لما يعرف اليوم بالعولمة. وفي العقدين الأخيرين من القرن العشرين أصبح هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في النقاشات الخاصة بالعلاقات الدولية. وفي عام 2000 اقترح صندوق النقد الدولي أربعة مجالات تندرج في إطار هذا المفهوم هي التجارة، حركة رأس المال والاستثمارات، هجرة اليد العاملة، تدفق المعلومات والتقنية.
كان تيار اليسار أبرز المعارضين للاقتصاد المعولم. وينسب لهذا التيار الفضل في إنتاج أهم الأدبيات المتعلقة بتغول رأس المال العالمي والشركات التي تديره. وهو موقف غريب بعض الشيء. فاليسار يدعو لعالم واحد يبرز قيمة العاملين وصناع التغيير. لكنه في مواجهة عالم رأس المال، اختار منهجا انكماشيا يركز على قيمة الحدود القومية. ويدعو لتوسيع تدخل الحكومة في الاقتصاد، على نحو يضمن للطبقات الدنيا فرصا أفضل للعيش الكريم.
نعلم بطبيعة الحال أن اليمين كان يدعو لنموذج مضاد، أي دولة لا تتدخل مطلقا في حياة الناس ولا السوق، دولة نموذجها الأعلى «الحارس الليلي».
ها نحن اليوم أمام انقلاب جديد. الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، الآتي من أقصى اليمين، نجح في استنهاض الشرائح الأكثر تضررا من عولمة الاقتصاد، أي عمال المصانع التي نقلت أعمالها خارج الحدود. الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كشف عن تنامي نفس الاتجاه اليميني الذي يدعو للانكماش على الذات والتركيز على مصالح الطبقات الدنيا. ويبدو أن نمو هذا التيار في فرنسا التي تستعد لانتخابات رئاسية يتحرك بنفس الدوافع.
ثمة مفارقة في هذه الحوادث كلها، فالصراع لا يدور بين الطبقات العليا والدنيا كما جرت العادة، بل بين شريحتين متصارعتين في الطبقات الدنيا نفسها: شريحة ذات ميول يسارية كانت تخشى العولمة فباتت اليوم متعاطفة معها، وشريحة ذات ميول يمينية تعاطفت أولا مع العولمة ثم جنت شوكها.
هل هذا نموذج لما سيكون عليه العالم خلال العشرين عاما القادمة؟ هل سنشهد تراجعا عن مبدأ العالم الواحد والاقتصاد المعولم؟ هل سيلحق العالم الثالث بهذا القطار أم يرى مصلحته في عالم بلا حدود؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة