المشهد السوري يظل هو المشهد الأقسى والأبشع والأكثر وحشية في مظاهر الربيع العربي. كابوس لا ينتهي، دماء لا تتوقف أبدًا في كل مشاهد الفوضى المنتشرة في المنطقة، ولكن الشيء اللافت جدًا هو توظيف الدين في كل هذه الأحداث بشكل مفزع أحيانًا وفي غاية الرخص في أحيان كثيرة أخرى. فمن ينسى مؤيدي محمد مرسي وهم يقولون إنهم يصلون خلف جبريل عليه السلام وإنهم شاهدوا «الرؤيا» تلو الأخرى تبشر وتؤكد بالنصر للرجل.
وفي ليبيا خرجت الفتاوى على النقيض وفتحت أبواب الاجتهاد على مصراعيها، وكان لكل فريق فتاواه. أما في سوريا فتحول الصراع المتمثل في مشهد واضح وصريح من نظام دموي ومجرم وطاغية ومستبد يبيد شعبه بلا رحمة ولا هوادة، بواسطة بعض أعداء النظام وأنصاره إلى حرب مذهبية وطائفية؛ كل فئة تكفر الأخرى وتقتل وتذبح تحت رايات ترفع الآيات في مشهد مفزع ومهيب.. ادعاءات بأن الملائكة تقاتل مع فصيل وتنتصر له، وادعاءات أخرى بأن الملائكة تحمي المزارات المقدسة، والفصيل الآخر ذاهب لحمايتها.
هذا الجنون الطائفي الديني البغيض حول قضية إنسانية حولها بامتياز إلى حلبة صراع استغلت من أرباب المصالح الدينية والدنيوية ومستنقع عظيم تغسل فيه قاذورات الجميع. وتمضي الأيام لتكشف للجميع «الفحش السياسي» الذي يمارس باسم الدين، كيف سيشرح البعض أنهم لم ينتصروا على فصيل كافر ومشرك وخارج عن الملة، وكيف سيشرح الفصيل الآخر أنه استعان بمن هم خارج الملة بسلاحهم وعتادهم وعسكرهم. سقطت الأقنعة وكشفت الوجوه.. سوريا أضاعها من استغل نصرتها وتحريرها والدفاع عنها باسم الدين، روجوا أساطير «خلافة» و«مقاومة» و«جهاد» ولم يسفر كل ذلك إلا عن تشريد وقتل للشعب السوري وبقي النظام المجرم ومن على صفته وأمثاله. شوهوا الأديان وأساءوا إليها وأجرموا بحق الأبرياء، هدموا المساجد والكنائس، خطفوا المشايخ والقساوسة وأباحوا قتلهم، فظهر نتاج ذلك رهبان وشيوخ يدافعون عن المجرم ويبررون لأفعاله ويمجدون سياساته. وزاد المشهد المتشابك من حيرة البسطاء من الناس، وزادت الأسئلة واختفت الإجابات، وبات الكل يستشهد بآية وحديث وأقوال من العهد القديم والجديد واستشهاد بحكم وآراء وفتاوى وأقاويل كلها تتلى لأجل إثبات موقفهم وتبرير أفعالهم.
كفرت بعض السلطات الدينية أشكالا من الناس مثل طه حسين ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة ومحمد شحرور ولكنها لم تكفر «داعش» و«القاعدة» و«حزب الله»، واعتبرتها فئات ضالة «ضلت» عن طريق الحق ولا يجوز تكفيرها.
تخيلوا الرسالة التي نوجهها لأنفسنا وللعالم في تكفير من يفكر وعدم تكفير من يقتل باسم الدين. إنها الازدواجية المسمومة التي ولدت ما نحن فيه ونغوص فيه بلا قاع.
سوريا ما هي إلا مشهد حزين من فيلم طويل لم نخرج منه، ونهايته لا تبدو سعيدة.
11:9 دقيقه
TT
فيلم حزين وطويل!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
