أحمد محمود عجاج
TT

تركيا بين الطورانية والعثمانية: صراع الهويات في المنطقة

في الذكرى الثامنة والسبعين لوفاة مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك، قال الرئيس إردوغان: «نذكر بالرحمة قائد حرب الاستقلال وباني جمهوريتنا ورئيسها الأول الغازي مصطفى كمال»، واستدرك قائلاً: «نتصدى للذين يحاولون تحديد تاريخ دولتنا وأمتنا بتسعين سنة، ويجب أن نتخذ كل أنواع التدابير بما فيها مراجعة الكتب المدرسية بدءًا من الابتدائية». وأكد أنه لا يمكننا أن نسجن في 780 ألف كلم، فحدودنا الطبيعية شيء وحدودنا العاطفية شيء آخر.
هذا التصريح، وفي هذه المرحلة العصيبة من الظروف التي تمرّ بها تركيا، يؤكد أمرين: ثقته بترسيخ آيديولوجيته في المجتمع، ورغبته في الانطلاق إلى المرحلة الثانية من الدولة التركية. لقد دأب حزب العدالة والتنمية على تغيير ديناميات المجتمع التركي ونقله من مفهوم الطورانية الضيقة إلى مفهوم العثمانية الأوسع، فالدولة الكمالية تأسست على ترسيخ المفهوم الطوراني كشخصية للوطن الجديد، وعلى قطع الصلات مع العثمانية التي كانت تشكل الوعي العام. فالكمالية استطاعت أن تخلق هوية وطنية غيرت فيها الذاكرة الجمعية للأتراك، وأرست مفاهيم جديدة تعود إلى الإرث الطوراني (العرق)، ومن خلاله عملت على إعطاء المشروعية لمشروعها الوطني، بهذه الهوية الكمالية تحول الإسلام من جامع للأعراق إلى دين شعائري لا غير في وطن طوراني تجتمع فيه الأعراق على حب وطن جديد، حدوده ثابتة، وعلاقاته تتأسس على البعد عن الصراعات، والتقارب مع الغرب، والنأي عن مشكلات الشرق الأوسط المجاور. هذه الهوية الوطنية ثبتها أتاتورك بالحديد والنار وبدماء الأكراد، والأرمن، وكل من عارضه حتى ولو كان طورانيًا.
إردوغان بكلمته هذه في احتفال مؤسس الوطن التركي يُعيد من جديد تشكيل الوعي التاريخي بهوية تركية جديدة، هو يحاول أن يؤسس لمفهوم يقوم على إرث مخالف للكمالية من جهة، ومؤيد لها من جهة أخرى، هذا التوجه التركي الجديد أطلق عليه كثيرون العثمانية الجديدة، واعتبره آخرون استعمارًا تركيًا عثمانيًا في ثوب جديد. لكن التدقيق في هذا الأمر يثبت أن ما يقوله إردوغان ليس جديدًا، بل نادى به قبله إسلاميون تعاقبوا على حكم تركيا، ومنهم عدنان مندريس وبعده بشكل لافت أربكان الذي كان ينادي بالهوية الإسلامية الجامعة، وبإزالة الحدود المصطنعة، واستعادة الإمبراطورية العثمانية. لكن الجديد في مقولة إردوغان أنه ليس مثل أربكان على الإطلاق، بل هو يبني هوية وطنية تختلف عن النظرية الإسلامية التقليدية التي لا تؤمن بالحدود التي أقامها الاستعمار، ولا تؤمن بالهوية الوطنية، بل تطمح للإمبراطورية أو الخلافة الإسلامية.
الفضل بهذا التفسير لا يعود لإردوغان، بل للمفكر، وزير الخارجية الأسبق، أحمد داود أوغلو في كتابه (العمق الاستراتيجي) الذي يرى أن الهوية الوطنية لا يمكن فصلها عن تاريخها، وأن العثمانية تشكل ميراثًا عظيمًا، وأن الدولة التركية ستبقى بحدودها الحالية، لكنها ستجتاز تلك الحدود من خلال إحياء صلاتها الإسلامية مع شعوب المنطقة، وتخطي الحدود عاطفيًا، والتوصل مع تلك الشعوب إلى قناعة بأن تاريخها ومصالحها مشتركة، وأن تركيا لن تكون بمنأى عن همومها، وستؤدي الدور المفروض عليها تاريخيًا في دعم وحماية تلك الشعوب، التي هي جزء من التراث العثماني.
هذا التفسير الأغولي - الإردوغاني للعثمانية يتشابه مع رؤية ألكسندر دوغن الروسي صاحب نظرية «المنظور الأوراسي» التي تبناها الرئيس بوتين، ومفادها أن روسيا وارثة لإمبراطورية أوروبية كبيرة، ومن حقها إعادة السيطرة على الحوض الأوراسي، وأن هذا الدور ينبع من تاريخها الطيب الذي يعترف بحق الاختلاف وأن نشر الدين الأرثوذكسي لم يلغِ التعايش بين الأديان، لهذا يطالب بوتين الآن بنظرية «الجوار القريب» التي لا يمكن لأحد أن يتدخل فيه، وأن يعترف الجميع بروسيا لاعبًا دوليًا مؤثرًا. كذلك يرى إردوغان أن لديه جوارًا قريبًا من حقه أن يتدخل به، لأن العثمانية احترمت حق الاختلاف، وأن نشر الدين الإسلامي لم يلغِ التعايش بين الأديان، وعليه، على الجميع أن يحترم تركيا كقوة إقليمية ويعترف بحدودها العاطفية، ولا يحاول أن يقلل منها، لهذا قال إردوغان، عندما عارضت أميركا تدخله في الموصل: أميركا تتدخل في العراق وهي بعيدة عنه الآلاف من الكيلومترات، وتنكر علينا التدخل فيما يجري على الحدود بيننا وبين العراق!
إن تركيا الجديدة المحافظة تتغير يومًا بعد يوم، فتزداد الهوية المحافظة (الإسلامية) وتقل الهوية الأتاتوركية، وفي خضم هذه المعادلة الديالكتيكية تستعيد تركيا ميراثها العثماني (العاطفي)، وتحافظ على ميراثها الأتاتوركي كجمهورية ضمن حدود معترف بها لا تتعداها، وكعلاقة متميزة مع الأطلسي وأميركا، فتركيا بهذا الدور الجديد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع التمدد الإيراني القائم على هوية دينية محافظة تتعاطف هي الأخرى مع الأقليات الشيعية، وتحاول مدّ نفوذها إلى المنطقة التي تعتبرها تركيا العثمانية جوارًا طبيعيًا لها. ومما يزيد الأمر صعوبة في التطور الهوياتي في المنطقة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا يعترفان لتركيا بهذا الدور، ولا ينكران على إيران دورها (السلبي) في المنطقة، مما يجبر تركيا الجديدة على زعزعة ركن آخر من الكمالية، وهو العلاقة الصلبة والبنيوية مع الغرب، وهكذا تجد تركيا نفسها أقرب إلى روسيا منها إلى أميركا، وهذا القرب رغم تناقضه على اعتبار أن الصراع الروسي - التركي تاريخيًا عميق ومدمر، فإنه محكوم بالضرورة، وبسياقات التبدلات السياسية في الساحة الدولية.
تركيا الجديدة بقيادة إردوغان لا تبحث الآن عن دور، بل هي تحاول تثبيت دورها في المنطقة، على أسس أنها ضامن لشعوب عاشت معها، ونسجت معها علاقات أخوة ومحبة، وهذه الهوية الوطنية العثمانية الجديدة ميزتها أنها تعترف بالتقسيمات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها في اعتقادي تتجاوزها بتفسير عصري وسلمي وحديث يؤمن لتركيا ولشعوب المنطقة كثيرًا من الإيجابيات، إذا ما أخذنا في الاعتبار مدى القبول الذي تحظى به تركيا، في العالم العربي والإسلامي. يقول أحمد أوغلو: «بعض الدول تقول لنا لا تغامروا في سياستكم الخارجية.. نقول لها إن تركيا كانت دائمًا لاعبًا ولم تكن أبدًا مسرحًا للآخرين.. سنفعل ما يفرضه علينا تاريخنا، ونحن كنا دائمًا صانعين للتاريخ وسنبقى كذلك».
إنه زمن الهويات وعليه سيُبْنى، شئنا أم أبينا، تاريخ المنطقة!