أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية

محاولة الخروج من قبضته كلفت البشرية عشرين قرنًا

أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية
TT

أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية

أرسطو.. الفيلسوف الذي أبدع في صياغة الإشكاليات العلمية

قد يتساءل المرء: لماذا العودة إلى أرسطو وهو فيلسوف القرن الرابع قبل الميلاد؟ الجواب بسيط. فالرجل وضع إشكالات شغلت بال المفكرين طوال القرون الوسطى، ووضع للعلماء تفسيرات للظواهر، كان بها عيوب ونواقص حركتهم، وجعلتهم يبذلون الجهد قصد حلها. ولنتذكر أنه في الزمن الحديث، خصوصًا في القرن السابع عشر، جرت مهاجمة أرسطو والعمل على هدم نسقه بالحجة والدليل، إلى درجة هزيمته، ليحل محله النسق العلمي الذي لا نزال نعيش على صداه حتى الآن. ولكي نفهم الأمر جيدًا، فسنعمل على إعطاء نموذج من الإشكالات العلمية التي طرحها أرسطو على العقول، والتي كلفت عشرين قرنًا من الجهد لأجل تجاوزها، وأقصد مشكلة الحركة في المكان وهي مشكلة فيزيائية بالأساس. فلنوضح ذلك.
** الحركة المكانية عند أرسطو
يقسم أرسطو الحركة المكانية إلى قسمين: حركة طبيعية وحركة قسرية:
* الحركة الطبيعية: حركة الميل الطبيعي.
يتصور أرسطو العالم بأنه كرة محدودة. فالكون كروي لأن الكرة هي أكمل الأشياء، ومحدود لأن له مركز هو الأرض. كما أنه يجعل من القمر فاصلا لهذا الكون إلى مرتبتين: سفلية حيث التغير والفناء، وعلوية حيث الكمال والثبات، أو بعبارة أخرى، فالعالم معه مكون من قسمين: عالم ما تحت القمر وعالم ما فوق القمر: أي عالمنا وعالم النجوم والكواكب.
الأول أرضي يتركب من عناصر أربعة مختلفة متراتبة وحركاتها مستقيمة (أسفل - أعلى)، بحسب الثقل والخفة، وتسمى الأسطقسات (التراب، الماء، الهواء، النار)، وهي الأساس الذي تتولد منه باقي الأشياء. إنه عالم التغير والتوالد والتحلل. باختصار، هو عالم الكون والفساد.
أما الثاني، فسماوي، ويتكون من مادة الأثير، أو العنصر الخامس، التي ما هي بالثقيلة ولا بالخفيفة، ولها حركة دائرية أزلية. إنه عالم غير قابل للتوالد أو الهدم، فلا مجال فيه إلا للكمال والثبات.
إذن الحركة الطبيعية الرائجة في هذا الكون، إما أن تكون كاملة بسيطة وخالدة، وهي الحركة الدائرية السائدة في عالم ما فوق القمر، أو تكون حركة مستقيمة من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى بحسب ناموس الخفة والثقل، في عالم ما تحت القمر.
وإذا ما ركزنا على العالم السفلي، عالم ما تحت فلك القمر، أي عالمنا الأرضي، سنجد أن كل جسم هو، حسب أرسطو، ذو ميل طبيعي للعودة إلى أصله، وذلك بحسب غلبة أي عنصر عليه. فالعناصر الأربعة (النار، الهواء، الماء، التراب)، توجد بنسب متفاوتة في الأجسام. فالجسم الذي يهيمن عليه التراب مثلا، سيصل طبيعيا إلى الأسفل. أما الجسم الغالب على تركيبه الماء، سوف يغطي بشكل طبيعي الأجسام الغنية بالتراب. وكذلك بالنسبة للأجسام التي تهيمن على تركيبها النار، ستبحث عن ارتفاعات أعلى. بينما تحتل الأشياء التي يغلب عليها الهواء، مكانا تحت النار. إذن عندما يسقط الحجر، فهو يسقط بشكل مستقيم وعمودي نحو الأرض، لأن الغالب في الحجر هو التراب، والتراب يشتاق إلى أصله، كما يشتاق المهاجر إلى وطنه. سنقول في هذه الحالة إن الحجر له ميول طبيعية نحو السقوط وليس الصعود.
* الحركة القسرية
إنها الحركة الاضطرارية أو الحركة المفروضة. إنها حركة اصطناعية تفرضها قوة تتحرك ضد الطبيعة، بفعل العنف والقسر، كأن يتحرك التراب إلى أعلى مثلا. فالأصل في الجسم السكون في عالمه الطبيعي، ما لم يباغته محرك ينقله عن أصله. فقذف حجر حسب أرسطو، يشكل لنا حركة اصطناعية، فيها لَيّ وتحويل وعنف تجاه الطبيعة. والأمر نفسه يقال عن سهم منطلق. فهو لا يتجه نحو الأرض مباشرة وبشكل عمودي. وهذا هو ما ينبغي أن يكون. بل هو يتحرك، بداية، في مسار أفقي، ثم بعد ذلك وبشكل تدريجي، ينحدر ليعود إلى الأرض. بعبارة أخرى، فالسهم لا يسقط مباشرة إلى الأسفل عندما ينطلق من حبل القوس، فهو يدفع إلى الحركة عنوة، ويجبر على الطيران في اتجاه مختلف عن حركته الطبيعية، أي السقوط المستقيم. سنقول حسب أرسطو، إن السهم يخضع لفرض وقسر من طرف محرك يضطره إلى سلوك حركة لا تعبر عن ميوله الطبيعية. إنها حركة محرفة، وهي التي ستأخذ حيزا كبيرا من النقاش، إلى حدود القرن السابع عشر، لأنها تتضمن مفارقة سنعمل على شرحها الآن.
* مشكلة الحركة القسرية عند أرسطو
ينطلق أرسطو من مبدأ هو أن «المحرك يكون مع المتحرك». ورد ذلك عنده، في الفصل الثاني من المقال السابع من مؤلفه، «السماع الطبيعي». يؤكد أرسطو انطلاقا من هذا المبدأ، أن المحرك يجب أن يكون متصلا وملتقيا مع ما يحركه مباشرة دونما توسط. بعبارة أخرى عندما تتم الحركة كيفما كانت، لا بد من حضور المحرك والمتحرك جنبا إلى جنب، إذ ليس بينهما فراغ أو توسط أو تأثير عن بعد. فهما متصلان ومترابطان، وبقاء هذا الاتصال شرط عند أرسطو لاستمرار الحركة، إلى درجة أن توقف المتحرك رهين بتوقف المحرك. هذا المبدأ الفيزيقي في الفلسفة الأرسطية (ضرورة اتصال المحرك بالمتحرك)، سيخلق استفزازا ومتاعب نظرية، تبدو واضحة في أحد أنواع الحركات، وهي الحركة القسرية، أي حركة القذيفة أو حركة النقلة في المكان. فالمشاهدة العينية تحكم بأن المقذوف يواصل حركته، وهو منفصل تماما عن القاذف المحرك. فالحجر حينما يلقى به لا يكف عن الحركة بمجرد مفارقته ليد القاذف. هذا الأمر يعد محرجا جدا، ما دام أرسطو يضع كمبدأ عام للحركة: أن الاتصال واجب بين المحرك والمتحرك. فكيف الخروج من هذا المأزق؟ وكيف سيتمكن أرسطو من سد الثغرة وضمان الأمان النظري لمبدئه؟
لكي يرأب أرسطو هذا الصدع المنافي لمبدأ اتصال المحرك بالمتحرك، لجأ إلى نظرية تسمى بنظرية الوسط. ومضمون هذه النظرية، هو أن القاذف حين يقذف الشيء، فإنه يعير الوسط الذي يحيط بالشيء المقذوف قوة دفع تحمل هذا المقذوف على مواصلة حركته. وهذا الوسط هو الهواء. بعبارة أوضح، يكون التماس والاتصال مضمونا بين المحرك والمتحرك بواسطة الهواء، فهو الرابط الذي يقوم مقام القاذف. كما حاول أرسطو حل المفارقة، باقتراح نظرية أخرى تسمى نظرية التعاقب، ومضمونها هو أن الجسم المقذوف (سهم أو حجر)، يحدث وهو يتحرك فراغا في الهواء. وما دامت الطبيعة تخشى الفراغ عند أرسطو، فالهواء يسارع لملء المكان الفارغ، وهو ما يترتب عليه دفع المقذوف نحو الأمام، إلى حين عودته إلى أصله.
باختصار نقول إن أرسطو، ولكي يخرج من مأزقه النظري عول على الهواء، باعتباره ضمانة للاتصال بين المحرك والمتحرك من جهة، ومن جهة أخرى أعطى للهواء قوة دفع للجسم.
إن الاقتراح الذي قدمه أرسطو (نظرية الوسط والتعاقب) لتقويم الاعوجاج البادي في فلسفته الطبيعية (الفيزياء)، فيما يتعلق بنوع من الحركة هي حركة القذيفة، ليبدو غريبًا، وبه تعسف في التفسير. بل يبدو أنه حتى أرسطو غير مقتنع به، لأن الحس السليم يقول إن الهواء لا يدفع الجسم بل يقاومه. ولا شك أن أرسطو على وعي بهذه المقاومة، ولكنه لم يقر بها وفضل التضحية بها في سبيل نسقه النظري.
إن مسألة عدم الإقرار بمقاومة الهواء ستغلق نسق أرسطو، وستمنع من فتحه، وستشل إمكانيات الاجتهاد عند البعض. فمثلا، نجد أن تنزيه ابن رشد لأرسطو وثقته المفرطة فيه، كانا بمثابة العائق والكابح لفاعلية العقل وديناميته. فهو أيده في اقتراحه على الرغم مما فيه من إحراج. إن رفض مقاومة الهواء لن يسمح بتصور عدم وجودها، مما سيعوق ظهور «مبدأ القصور الذاتي» حتى حدود القرن السابع عشر مع غاليليو، الذي انبنت عليه الفيزياء الحديثة. لكن لا يجب أن ننكر أنه ظهر عبر التاريخ، في الآن نفسه، من حاول فتح النسق الفيزيائي الأرسطي وتجاوز هفوته، أمثال الفيلسوف السكندري يوحنا النحوي، الذي عاش في القرن السادس الميلادي، وابن سينا، وأبو بكر البغدادي، وابن باجة، ومدرسة باريس التي نشطت خلال القرن الرابع عشر، وطورت نظرية الاندفاع التي مهدت لكل الفيزياء الحديثة. وهذا موضوع آخر يحتاج إلى مقال خاص.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».