عرس الكتاب في «معرض الرباط»

إطلالة على إصدارات جيل كيبل وأمين معلوف

عرس الكتاب في «معرض الرباط»
TT

عرس الكتاب في «معرض الرباط»

عرس الكتاب في «معرض الرباط»

قبل الدخول إليه تستقبلك حدائق الحسن الثاني الغنّاء الفسيحة الأرجاء. إنها من أجمل الحدائق والبساتين في العالم وأكثرها اتساعاً وانشراحاً. أحياناً تشعر وأنت تتجول في جنباتها وكأنك في جنة عدن. ثم بعدئذ تدخل إلى المعرض لكي تتجول بين الأجنحة ودور النشر العربية والأجنبية. وهل هناك متعة أكبر من هذه المتعة؟ رفوف الكتب تحيط بك من كل الجهات. أول شيء فعلته هو أني مررت على «دار المدى» لكي آخذ نسخة من كتابي «العرب بين الأنوار والظلمات». بعدئذ توجهت مباشرة إلى دور النشر الفرنسية لكي أرى ما هي آخر الإصدارات والمستجدات. كان أولها كتاب جيل كيبل المعنون على سبيل الاستهزاء «نبي في وطنه». والمقصود العكس: أي لا نبي في وطنه، كما يقول المثل الشهير. فجيل كيبل الذي كرس حياته كلها لدراسة موضوع الحركات الأصولية وأنتج على مدار أربعين عاماً أكثر من عشرين كتاباً مهماً، لم يحظَ بالاهتمام الكافي من قبل بلاده ولا من قبل الجامعات الفرنسية، بل رفضوا أطروحاته ووقفوا في وجهها سداً منيعاً. وقد فعلوا ذلك باسم الآيديولوجيا: العالم ثالثية بالأمس، والآيديولوجيا الإسلاموية - اليساروية اليوم. دائماً تقف الآيديولوجيا بكل شعاراتها الديماغوجية في وجه العلم النير والفكر الحر. ماذا فعل جيل كيبل؟ ما خطيئته التي لا تُغتفر؟ لقد طبق على الأصولية الإسلامية المنهجية نفسها التي طبقها فلاسفة الأنوار في أوروبا على الأصولية المسيحية. فهل ينبغي أن نعاقبه على ذلك أو نشكره؟ جيل كيبل هو وريث فولتير وديدرو والموسوعيين وارنست رينان وفيكتور هيغو ومكسيم رودنسون وكل عباقرة فرنسا وأنوارها. ولكن لا ينبغي أن يتشاكى كيبل ويتباكى أكثر مما يجب على حظه ونصيبه. تُرجمت مؤلفاته لمختلف لغات العالم وأصبحت مراجع أساسية للباحثين وأساتذة الجامعات. والواقع أنه عرف كيف يفكك من الداخل عقيدة الحركات الإخوانية الأصولية بكل تمكن واقتدار. وقدم بذلك خدمة كبرى لقضية التنوير العربي. فهل هذا قليل؟ هذا كثير وأكثر. لم يضع جيل كيبل وقته سدى. إنه كتاب ممتع جداً؛ لأنه يشبه نهاية المطاف وحصاد العمر. وككل كتب الذكريات والمذكرات له سحره الخاص، ويُقرأ بكل استمتاع دون توقف من أوله إلى آخره.

أنتقل لكتاب أمين معلوف الجديد بعنوان: «متاهة التائهين» أو الحائرين أو الضائعين الضالين، سَمّه ما شئت. وفيه يروي لنا المؤلف قصة الصراع بين الغرب وخصومه على مدار القرون الماضية.

الشيء الممتع في كتاب أمين معلوف هو أنه يبدأ بالتحدث عن صعود اليابان في عهد سلالة الميجي: أي الحكم المستنير. في السادس من أبريل (نيسان) عام 1868 أقسم إمبراطور اليابان على الكلام التالي: عادات الماضي السيئة ينبغي أن نهجرها ونتخلى عنها كلياً. كل شيء سوف يرتكز منذ الآن فصاعداً على قوانين الطبيعة الدقيقة والعادلة. العلم سوف نبحث عنه في العالم كله.

بدءاً من تلك اللحظة انطلقت النهضة اليابانية بسرعة صاروخية إلى حد أنها أدهشت البشرية بأسرها. فلأول مرة استطاعت أمة شرقية أن تكسر احتكار الغرب للسيطرة على العلم والحضارة والتكنولوجيا. من المعلوم أن هيمنة الغرب على العالم كانت قد أصبحت كاملة شاملة منذ القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر والعشرين. وكانت هيمنة شبه مطلقة على كافة الأصعدة والمستويات: من علمية وفلسفية وحضارية وتكنولوجية. ويعود الفضل في ذلك إلى عصر التنوير الكبير في القرن الثامن عشر وظهور الثورة الصناعية الإنجليزية التي كانت أكبر حدث في تاريخ البشرية كما يقول أمين معلوف. فقد ازدهرت عندئذ العلوم والتقنيات والأفكار بشكل هائل لا مثيل له في أوروبا الغربية أولاً، ثم أميركا الشمالية ثانياً. وهذا هو الغرب بالمعنى الواسع للكلمة: إنه أوروبا زائد أميركا. وأميركا هي بنت أوروبا كما كان يقول الجنرال ديغول. وأدى ذلك إلى تشكيل أكبر حضارة في تاريخ البشرية على يد الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688، والثورة الأميركية عام 1776، ثم بالأخص الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. كل ذلك أدى إلى انتصار قيم عصر الأنوار على قيم الظلامية المسيحية والأصولية الكاثوليكية البابوية. ثم جاءت اليابان في أواخر القرن التاسع عشر لكي تلحق بالغرب وتنضم إلى ركب الحضارة والتقدم والرقي. وينبغي التوقف هنا قليلاً عند كلمات الإمبراطور الياباني المستنير المدعو بالميجي. فهذه الكلمات القلائل هي التي أشعلت نهضة اليابان ودشنتها. ماذا تعني في نهاية المطاف؟ ثلاثة أشياء أساسية: أولاً ضرورة القطيعة مع الماضي الأصولي القديم بغية تحقيق النهضة المرجوة. ثانياً البحث عن العلم في شتى أنحاء العالم المتحضر: أي في إنجلترا وألمانيا وفرنسا وأميركا على وجه الخصوص. ثالثاً أن القطيعة مع الماضي الكسول والظلامي لا تعني ذوبان الشخصية اليابانية وانحلالها في الغرب، وإنما تعني أن التنوير بواسطة العلم والفلسفة والتكنولوجيا هو الطريق الوحيد لكي تخرج اليابان من تخلفها المزمن والطويل.

في نهاية المطاف يقول لنا أمين معلوف ما فحواه: لقد علمتني فلسفة التاريخ أن كل أولئك الذين يبنون وجودهم على كره الغرب بشكل مسبق وقاطع، سرعان ما يقعون في مستنقع الأصولية والبربرية والتخلف. وفي نهاية المطاف فإنهم لا يعاقبون الغرب ذاته، وإنما يعاقبون أنفسهم. ولكن هذا لا يعني أن كل أفكار الغرب وأنماط حياته وقيمه كانت دائماً مفيدة للبشرية. فالحق أننا نجد فيها الخير والشر، الإيجابي والسلبي. ولذلك لا ينبغي رفض الغرب بشكل مطلق ولا قبوله بشكل مطلق. وعلى كل أمة أن تأخذ من أفكار الحداثة ما يناسبها وتطرح ما تبقى غير مأسوف عليه.

بالطبع لا ينسى أمين معلوف أنه لبناني الأصل، وأن التراجيديا اللبنانية تضغط عليه وتؤلمه. ولكنها ليست لبنانية فقط، وإنما عربية شاملة أيضاً. وهي ناتجة بشكل أساسي عن التعصب الديني الأعمى. فالإنسان عندنا محكوم بأصوله الطائفية أو المذهبية غصباً عنه. وهذه مشكلة أساسية تعوق انطلاقة النهضة العربية. وبالتالي فما هو الحل؟ الحل هو في انتصار التنوير في العالم العربي كما انتصر في اليابان. ينبغي أن تنتصر أنوار العلم والفلسفة على ظلمات الجهل والتعصب وعبادة الأسلاف. ينبغي أن ننتصر على أنفسنا: أي على ماضوية الماضي. اليابانيون لم يترددوا لحظة واحدة في إحداث القطيعة مع ماضيهم التكراري الاجتراري بغية الانطلاق، فلماذا نتردد نحن؟ ولكن حذارِ: هذا لا يعني القطيعة مع كل الماضي، وإنما فقط مع العناصر الظلامية الارتكاسية من هذا الماضي التراثي. فهناك صفحات مضيئة رائعة في تراثنا العربي الإسلامي، وهناك ذخائر العرب ومكارم الأخلاق التي تحمينا من السقوط في مزالق الحضارة الغربية وانحرافاتها الإباحية التي أصبحت تقلق العالم.

أخيراً، فالسؤال المطروح هو: لماذا نجح التنوير الياباني نجاحاً باهراً وفشل التنوير العربي فشلاً ذريعاً؟ لماذا بعد كل تلك النهضة التنويرية الرائعة التي شهدناها في القرن التاسع عشر كما اليابانيين، فوجئنا بهذه الموجة الظلامية العارمة التي اكتسحت في طريقها كل شيء ولا تزال؟ ربما لأن الأصولية المطلقة متجذرة في أعماق أعماقنا أكثر من اليابانيين بكثير.

ولذلك يصعب تجاوزها. وربما لأن الأحقاد الطائفية المتراكمة والمتفاقمة عندنا لا تحتاج إلى أكثر من عود ثقاب لكي تنفجر وتشتعل. وهذا ما هو حاصل حالياً. وهذا الخطر غير موجود عند اليابانيين لحسن حظهم؛ لأن عقيدتهم ليست قائمة على مفهوم الفرقة الناجية واحتكار الحقيقة الإلهية المطلقة. وبالتالي، فلا يوجد عندهم شيء اسمه تكفير ونبذ وإقصاء وذبح على الهوية. بالنسبة لهم ولجميع الحضاريين، فإن كل الناس الطيبين الفاعلين للخير والخادمين للمجتمع والمصلحة العامة هم من الفرقة الناجية أياً تكن أديانهم ومذاهبهم. لهذا السبب نقول إن معركة التنوير العربي القادمة ستكون شاقة جداً ومريرة. وسوف تستغرق عشرين أو ثلاثين سنة على أقل تقدير.



«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي
TT

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

هواري تواتي
هواري تواتي

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً كان شاهداً على سقوط غرناطة وتقلّبات المتوسط. غير أنّه لم يسعَ إلى كتابة سيرة تاريخية وثائقية بالمعنى الصارم؛ فقد أخذ من حياة الوزّان عناصرها الكبرى، ثم أعاد بناءها داخل عملٍ أدبي.

اليوم تكتمل الصورة بصدور كتابٍ جديد في نحو ثلاثمائة صفحة، عنوانه «يوحنا ليون الأفريقي: إنسانيٌّ عربي في النهضة الأوروبية»، لصاحبه المؤرّخ والأنثروبولوجي الجزائري هواري تواتي، مدير دراسات في «المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية» بباريس وعضو أكاديمية أوروبا. والكتاب ليس سيرةً ولا عملاً روائياً، بل هو ثمرة بحثٍ دام سنوات من أجل إبراز الدور الفكري لحسن الوزان المعروف في أوروبا بليون الأفريقي بوصفه وسيطاً بين التراث العربي والفضاء الأوروبي.

وُلد الحسن بن محمد الوزّان على الأرجح قرب غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر، ثم حملته أسرته إلى فاس بعد سقوط المدينة سنة 1492. هناك تلقّى علومه في مدارسها، فتعلّم الفقه وأصول الدين، وتذوق التاريخ والشعر. وفي سنٍّ مبكرة، بدأ رحلاتٍ دبلوماسية حملته إلى الريف والسوس وأطراف الصحراء، ثم إلى تونس والقاهرة والقسطنطينية. وفي 1518، بينما كان عائداً من مهمّة، اعترض سفينتَه قرصانٌ صقلّي من فرسان القديس يوحنا، فاقتيد إلى روما وحُبس في قلعة سانت أنجلو. وما جرى بعد ذلك هو موضوع كتاب هواري تواتي. فالبابا لم يعرض أسيره على الزوّار كأعجوبة، بل منحه راتباً ومهمّة: أن يعلّم العربية، وأن يُستشار في اللغة والفقه وشؤون المتوسط.

يشرح الباحث أنّ روما التي نزل بها الوزّان لم تكن مدينةَ باباواتٍ فحسب، بل كانت ورشةً محمومة يُعاد فيها رسم صورة العالم. كان فيها الكاردينال إيجيديو دا فيتربو، المولع باللغات الشرقية، الذي طلب من ضيفه الأسير أن يعلّمه العربية ليقرأ القرآن في لغته الأصلية. وفيها كان الأمير ألبرتو بيو دا كاربي يبني مكتبةً شرقية، إضافةً إلى أنجلو كولوتشي (1474 – 1549)، العالِم الإيطالي وأمين أسرار البابا، وجامع المخطوطات والآثار.

في هذا الوسط، وجد الوزّان موقعه. فأقام سنة 1525 في دار الكاردينال بفيتربو بصفته معلّماً له، وراجع هناك ترجمةً لاتينية للقرآن الكريم، وعلّم العربية في بولونيا، ونسخ نصوصاً عربية لمكتبات الأمراء، وجالس المترجمين والأطباء والشعراء.

ومن هنا يبدأ الانقلاب الذي يقترحه الكتاب. فالثقافة العامة، عربيةً كانت أم أوروبية، اختزلت حسن الوزّان في عمله الشهير «وصف أفريقيا»، ذلك الكتاب الذي أنجزه سنة 1526 وظلّ قروناً مرجعَ أوروبا الوحيد عن المغرب وأفريقيا. أما تواتي فينقل مركز الثقل إلى ثلاثة أعمال أخرى أقلّ شهرة لكنها أبعد أثراً: مجموعة تراجم، ومعجم، ورسالة في العَروض.

حين وصل الوزّان إلى روما، كانت جامعات أوروبا تدرّس ابن سينا والرازي وابن رشد منذ ثلاثة قرون، وهي تجهل عنهم كلّ شيء تقريباً. لم يكن في المكتبات اللاتينية سيرةٌ واحدة لأيٍّ من هؤلاء. كان طالب الطب في بادوفا أو مونبلييه يحفظ «القانون» ويجهل متى عاش صاحبه وأين. وما تداولته أوروبا عنهم لم يكن أكثر من حكاياتٍ متناقَلة: أنّهم عاشوا جميعاً في الأندلس في زمنٍ واحد، وأنّ ابن رشد «دسّ السمّ لابن سينا بدافع الحسد».

ويتوقّف تواتي عند هذه الثغرة ليشرح سببها. فالعرب حين نقلوا علوم اليونان، نقلوا معها سِيَر أصحابها وقوائم كتبهم: «التاريخ الفلسفي» لفرفوريوس، وسيرة أرسطو المنسوبة إلى بطليموس، ورسالة جالينوس في ترتيب مؤلفاته. لقد عرفوا مَن يقرأون، وأقاموا على هذه المعرفة فنّاً كاملاً في الكتابة. أما الترجمة من العربية إلى اللاتينية فأخذت النصوص وتركت أصحابها في الظلّ. في هذا الظلّ كتب الوزّان مؤلفه «بعض الرجال المشاهير عند العرب والعبرانيين»، في روما سنة 1527.

وهو أوّل عمل أوروبي يقول للقارئ اللاتيني بوضوح: هذه الكتب التي بين يديك لها مؤلفون، ولهم مدنٌ وأساتذة ومدارس وتواريخ. فيها الفارابي والغزالي وابن رشد وابن سينا، وإلى جانبهم أعلامٌ يهود.

ولم يكن أثر هذا العمل عابراً، فقد ظلّ مرجعاً لا ينازع حتى منتصف القرن التاسع عشر. بل إنّ «الموسوعة» التي أشرف عليها ديدرو ودالمبير، وهي أشهر عملٍ فكري في عصر الأنوار الفرنسي ورمزه الأكبر، نقلت عن كتاب الوزّان أكثر من نصف ما أوردته عن أفريقيا، وأدرجت تراجمه ووصفه كما وردت، من غير تغيير يُذكر. ثلاثة قرون كانت أوروبا تروي فيها تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس، من غير أن تذكر اسمه في الغالب، كما يشير الباحث الجزائري.

كانت أوروبا تروي لثلاثة قرون تاريخ العقل العربي بكلمات رجلٍ من فاس من غير أن تذكر اسمه في الغالب

أطرف ما في الكتاب بابه الخاص بـ«رسالة العَروض». فقد كان أنجلو كولوتشي من أوائل من درسوا بنية اللغات الرومانسية وأوزان الشعر في العامّيات الإيطالية، يجمع مخطوطات شعراء بروفانس وصقلّية ويقارن بينها، باحثاً عن جوابٍ لسؤالٍ شغل أدباء عصره: من أين جاءت القافية إلى الشعر الأوروبي؟ فالشعر اللاتيني القديم لم يعرفها، ثم ظهرت فجأةً عند التروبادور. فهل أخذها شعراء بروفانس عن الأندلسيين، جيرانهم من وراء البرانس؟ كان الجواب يقتضي معرفةً بالعَروض العربي من الداخل: بالبحور والزحافات والعلل، وبالفرق بين الرويّ والقافية. وهي معرفة لم تكن متاحة لأحدٍ في إيطاليا، فوجدها كولوتشي عند الوافد الجديد. ومن هذا اللقاء وُلد واحد من أوائل نصوص الوزّان اللاتينية: «رسالة في فنّ العَروض العربي»، وصلتنا في نسخةٍ نقلها ناسخ إيطالي سنة 1527.

وفي بولونيا، في يناير (كانون الثاني) 1524، فرغ الوزّان من معجمٍ عربي – عبري – لاتيني وضعه لصديقه الطبيب والمترجم اليهودي يعقوب مانتينو. ويشير الباحث إلى أنّ العمل، وإن كان مشتركاً، فإنّ الوزّان هو من حمل عبأه الأكبر: نحو خمسة آلاف وخمسمائة مادة عربية بقلمه، لا يقابلها من قلم شريكه سوى مائة وسبعين مادة عبرية ومائتين وثلاثين لاتينية. وقد بقي هذا المعجم مخطوطاً في مكتبة الإسكوريال، ولم يُطبع إلا سنة 1664 على يد المستشرق السويسري يوهان هاينريش هوتينغر؛ أي أنّ الاستشراق الأوروبي انتفع بمادّته قرناً ونصف قرن قبل أن ينسب الفضل إلى واضعه.

يرى هواري تواتي أنّ ليون الأفريقي لم يكن مجرّد جغرافي نقل إلى أوروبا أخبار أفريقيا، بل كان مثقفاً عربياً اضطلع بدور محوري في نقل المعارف بين الحضارتين العربية والأوروبية، وهو ما يدعو إلى النظر إلى النهضة لا بوصفها ظاهرة أوروبية خالصة، بل باعتبارها فضاءً تفاعلت فيه روافد حضارية متعدّدة. فالفكر الإنساني لم يكن حكراً على أوروبا، بل نشأ من تفاعل حضاري واسع أسهم فيه مفكّرون عرب. وفي الأخير، يدعو الكاتب إلى إعادة الاعتراف بهذا التراث الذي واصلت أوروبا استثماره بينما تراجعت الثقافة العربية عن بعضه.


«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي
TT

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد ليس مرثيةً للورق، ولا لائحةَ اتهامٍ للشاشة، ولا خطاباً متوتراً يندب زماناً انقضى ثم يتعامل معه كأنه الفردوس المفقود، بل يرى أن الأزمنة لا تعود، والتاريخ لا يسير إلى الوراء، والحياة لا تنتظر الحالمين بالرجوع كي تستأنف حركتها. «ما يعنيني هنا ليس الدفاع عن ماضٍ ضد حاضر، ولا الانتصار لجيلٍ على آخر، بل محاولةُ النظر فيما جرى لنا، نحن الذين عبرنا من ضفةٍ إلى أخرى، أو وجدنا أنفسنا عالقين بين ضفتين: ضفةٍ كان للكتاب فيها زمنُه الخاص، وللقراءة طقسُها، وللكلمة مهابتها، وضفةٍ صار العالم فيها يُستهلك من خلال شاشة، وتُختصر الخبرة الإنسانية في تمريرٍ سريع، وتُقاس القيمة بكمّ الظهور لا بعمق الأثر».

وفي مقدمة الكتاب يضيف المؤلف: «القضية، في جوهرها، ليست قضية أدوات فحسب. ليست المسألة أن الشاشة حلّت محلَّ الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلاً أمام المنصات. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمسّ بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الزمن، صلة الإنسان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة، والنجاح، والظهور».

ويقول أيضاً: «هنا لا نتحدث عن جهاز جديد دخل حياتنا، بل عن بيئة كاملة أخذت تعيد ترتيب الحواس والأولويات، وتعيد كتابة اليومي على نحو يكاد يبدو طبيعياً، بل بديهياً، حتى لكأن ما حدث كان قدراً لا تاريخاً، وطبيعةً لا صناعةً بشرية».

وبحسب الكاتب، فإن فكرة هذا الكتاب، تنبع، من أن «أخطر ما في الثقافة الحديثة ليس ما تقوله بصوت عالٍ، بل ما تمرره همساً، عبر الصورة، والتكرار، والإيقاع اليومي، والعادة التي لا نشك فيها».

ويستشهد بما كتبه رولان بارت، في كتابه الشهير «أسطوريات»، حين صاغ هذه الفكرة بعبارة كثيفة قائلاً إن الأسطورة «تحوّل التاريخ إلى طبيعة»؛ أي إنها تجعل ما هو مصنوع، وتاريخي، وقابل للنقد، يبدو كأنه أمرٌ طبيعي لا يُسأل عن أصله ولا عن مصلحته. وهو يرى أن «ما تفعله المنصات اليوم، في كثير من وجوهها، قريبٌ من هذا السحر الناعم: إنها لا تفرض رؤيتها علينا بالعصا، بل تجعلنا نألفها حتى نظنها هي العالم نفسه».

وبالنسبة لعنوان الكتاب، فالمؤلف يرى أنه لا يقسم العالم بقدر ما يكشف صدعه، ويقول: «(حين اخترتُ عنوان أبناء قوقل وأحفاد المتنبي) لم أكن أبحث عن مفارقة لفظية جذابة فحسب، ولا عن مقابلةٍ بلاغية بين رمزٍ رقمي وآخر تراثي. كنت أبحث عن استعارتين تلتقطان تحوّلاً عميقاً في الإنسان العربي المعاصر». فـ(أبناء قوقل) ليسوا فئة عمرية محددة، وليسوا المراهقين وحدهم، ولا الشباب وحدهم، بل هم كل الذين أخذتهم المنصات إلى داخل نمط جديد من الوعي: وعيٍ سريع، متشظٍّ، يتغذى على التدفق، ويعيش تحت سطوة الإشعار، ويجد نفسه في مرايا الآخرين أكثر مما يجدها في عزلته الخاصة. هم أبناء عالم لا يذهب فيه المرء إلى المعرفة كما كان يذهب إلى مكتبة، بل تنهال عليه المعرفة، أو ما يشبهها، في هيئة مقاطع، وملخصات، وصور، واقتباسات مبتورة، ورأيٍ يجاور نكتةً، وخبرٍ يجاور إعلاناً، وفضيحةٍ تعلو فوق كتاب».

لكن ماذا بشأن «أحفاد المتنبي»؟، يضيف: هؤلاء «ليسوا حراساً لمتحف اللغة، ولا جماعة تعيش خارج التاريخ، ولا كائنات ورقية ترفض الزمن لأنها تخشاه. إنهم أبناء تكوين آخر: تكوين صاغته القراءة البطيئة، والإنصات الطويل، ومشقة البحث عن الكتاب، وفتنة الانتظار، والرهبة التي كانت ترافق إرسال النص إلى صحيفة أو مجلة ثم ترقب الرد بعد أيام أو أسابيع. إنهم أبناء زمنٍ لم تكن المعرفة فيه فورية، ولذلك كانت أعمق أثراً وأشد رسوخاً؛ زمنٍ كان على القارئ فيه أن يذهب إلى الكتاب، لا أن يهبط عليه الكتاب في شظايا متناثرة وسط ضجيج لا ينتهي».

يحتوي الكتاب رغم مساحته القصيرة على مقدمة واثني عشر فصلاً، حمل الفصل الأول عنوان: الآيديولوجيا في ثياب اليومي، والفصل الثاني، عنوان: أبناء قوقل: الإنسان الذي تعلّم العالم عبر الشاشة، أما الفصل الثالث، فكان عنوانه: أحفاد المتنبي: ذاكرة الورق وبطء التكوين، والفصل الرابع: من القارئ إلى المتصفّح: كيف خسرنا القراءة الطويلة؟، والفصل الخامس: اللغة بين الفصاحة والاختزال: ماذا فعلت المنصات بالكلام؟، والفصل السادس: العائلة في البيت الواحد والغربة الواحدة، والفصل السابع: اقتصاد الشهرة الفارغة: حين يسبق المؤثر الموهبة.

وحمل الفصل الثامن عنوان: الخوارزمية بوصفها محرراً: من يقرر ما نقرأ وما نرى؟ والفصل التاسع: الصورة أقوى من السيرة: تشكّل الهوية المرئية، والفصل العاشر: الأدب في عصر السرعة: ماذا تبقّى للكلمة؟ والفصل الحادي عشر: الوجه المضيء للتقنية: ما الذي أعطته المنصات ولم نكن نملكه؟ والفصل الثاني عشر: بين أبناء قوقل وأحفاد المتنبي: هل المصالحة ممكنة؟ أما خاتمة الكتاب فضمت مقالاً بعنوان: تحوّل في صورة الإنسان.


رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر