بمناسبة مئويته... التنقيب عن «الزمن المفقود» في مناجم مارسيل بروست

فرنسا تعيد اكتشافه على مدار العام

مارسيل بروست
مارسيل بروست
TT

بمناسبة مئويته... التنقيب عن «الزمن المفقود» في مناجم مارسيل بروست

مارسيل بروست
مارسيل بروست

مارسيل بروست صاحب الرواية الأطول في تاريخ الأدب. رائعته «البحث عن الزمن المفقود» منحته شهرته رغم أن له كتابات كثيرة أخرى، 7 مجلدات، نحو 3200 صفحة، استغرقت كتابتها 14 عاماً، ولم يتمكن الكاتب من إكمالها. فقد توفي بروست قبل أن ينتهي من تنقيح مشروعاته والمجلدات الثلاثة الأخيرة التي نشرت بعد وفاته، وحررها نيابة عنه شقيقه روبرت. عرف بروست أنه في صراع مع الوقت، والمرض يداهمه، فكانت العزلة والمثابرة وسيلته الوحيدة لتأمين ما يخلد ذكراه، وقد كسب الرهان.
على مدار سنة كاملة تحتفي فرنسا، وبتقدير كبير، واهتمام بالغ، بأديبها الفذّ مارسيل بروست (1872 - 1922)، بدءاً من نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، ولغاية 18 نوفمبر 2022 حيث تحل الذكرى المئوية الأولى لوفاته، وأعماله كما شخصه موضع تشريح. كذلك ثمة احتفاليات، تتخذ أشكالاً متعددة، من معارض إلى إعادة طباعة كتب، وأفلام وثائقية، وبرامج تلفزيونية وإذاعية. وبهذه المناسبة أطلقت إذاعة «فرانس كولتور» الثقافية حلقات أسبوعية تحمل عنوان «بروست... البودكاست» تبث، كل أسبوع، على مدار السنة، تتناول في كل مرة جانباً من حياة، أو أدب، أو اهتمامات بروست. ستقدم بالنتيجة عشرات الحلقات، فيما اعتبرته الإذاعة «مغامرة غير مسبوقة، وأكثر من تكريم. إنها محاولة لاكتشاف هذه الشخصية المركزية في الأدب الفرنسي، والإحاطة بمختلف أبعادها».
وتتطرق برامج «فرانس كولتور» إلى جوانب قد تبدو غريبة، مثل الاقتصاد عند بروست، الجغرافيا، فن السينما، الفلسفة، الطب، العلاقات الدولية، الحب، وغير ذلك. تستضيف الحلقات كتّاباً ومفكّرين وفنّانين ومخرجين سينمائيين لإغناء الحديث، وليقدم كل نظرته إلى منتج بروست الأدبي. بدأت السلسلة بإطلاق عدّة حلقات دفعة واحدة تتناول علاقة بروست بالصباح، وهو الذي عُرف بأرقه، أو حضوره كمادة للدراسة في «كوليج دو فرانس»، أو وجوده في العالم الرقمي اليوم، أو الطريقة التي يحضر بها الموت في أعماله، إضافة إلى كثير من المواضيع.
كتب بروست عدة مؤلفات، لكن «البحث عن الزمن المفقود» أفقدت كل ما عداها الوهج. فهي نفسها تتشكل من عدة قصص، وبقيت موضعاً خصباً للتحليل، رغم مضي عشرات السنين على صدورها. فقد أبصر المجلد الأول «من جانب سوان» النور عام 1913، بعد أن رفضت نشره عدة دور، ثم صدر «في ظل الفتيات الحاملات الزهور» وحصل على جائزة «غونكور»، ومن بعدهما «جانب غرمانت»، «سدوم وعمورة»، «السجينة»، «البرتين تختفي» الذي حمل لاحقاً عنوان «الهاربة»، وأخيراً «الزمن المستعاد».
تبدو «البحث عن الزمن المفقود» لقارئها بأجزائها، كأنها بيوغرافيا، لكنها في العمق ليست كذلك. فأهم ما فيها ليس الراوي نفسه الذي يتماهى مع بروست، أو الحكاية التي أراد أن يقصها الكاتب، وإنما انسياب الزمن، وحركته في مد وجزرٍ لا ينتهيان. يحاول بروست أن يثبت لنا أن كل ما حدث في الماضي لم ينتهِ، ولا ينسى، بل هو باقٍ وخالد ومحفوظ في مكان ما، ينتظر إحياءه من جديد.
الرواية تضج بالشخصيات، لكن دورها على أهميته، يبقى ثانوياً، إذا ما أخذ الكتاب بكليته. الراوي يحتل مكان الصدارة، لكن الزمن هو البطل الذي لا يضاهى. النقاد يشبهون قراءة «البحث عن الزمن المفقود» بتسلق جبل، يحتاج جهداً ومثابرة لإتمام مهمة الصعود القاسية. لكن الوصول إلى القمة يحقق سعادة كبرى، ومعرفة بنوع روائي خاص، كدّ صاحبه كثيراً، ليصل بنا إلى هذا الشاهق.
وُصفت الرواية بالنخبوية، لأن قراءة كل هذه الصفحات تحتاج صبراً لا ينفد. لكن ثمة ما يغري بقبول التحدي، وبمواصلة القراءة، لأن الوصول إلى الصفحات الأخيرة لا يدخلك موسوعة «غينس»، لكنه يفتح أبواباً من الأسئلة الخصبة.
فهي رواية لا تمر بلا أثر عميق في النفس. قراءتها عبور لكمّ هائل من المشاعر والأحداث والذكريات والقصص، من خلال ذكريات الراوي. لكن بروست لم يكن معنياً بالذكريات لذاتها، بقدر اختباره المتواصل، لميكانيكية حركة هذه الذكريات، وكيف تطفو على السطح. ما هو المهماز الذي يشعل لحظة الاستعادة؟ ما الذي يجعل حدثاً بعينه، يستدعي مرحلة أو مقطعاً من حياة مضت، وغابت تماماً عن الذهن. لماذا أساساً تبقى الذكريات حاضرة فينا إلى هذا الحد، وقادرة على إسعادنا، وجلب التعاسة لنا، بينما هي أمر انقضى.
صوت ما، أو مشهد، أو طعم، أو أي تفصيل حياتي بسيط، كان يمكن له أن يمضي عابراً، بمقدوره أن ينعش سيلاً نابضاً من الذكريات. ولربما أن المقطع الشهير الذي لا يمكن لقارئ «البحث عن الزمن المفقود» أن ينساه، هو الذي يمسك خلاله الراوي بقطعة المادلين، ويغمسها في فنجان الشاي، ويضعها في فمه لتذوب، وتفتح باب الذكريات على مصراعيه، لتنتفض منتعشة بكامل زهوها.
طريقتان تحضر بهما الذاكرة، صورة جامدة، كما هي اللقطة الفوتوغرافية، وطريقة ثانية هي إعادة إنعاشها وإحيائها، وتحريك المشهد. فالصورة وحدها حين تحضرنا، وكأنما تجمدت، لا تثير في النفس الشجن، ولا الحنين، الكبيرين اللذين يجلبهما المشهد حياً وهو يتنفس. فهذا أمر آخر، مختلف زخمه تماماً. الذكريات، التي يذهب بروست إليها هي التي تأتيه بغتة كأنها مقطع من فيلم ثلاثي الأبعاد. هي ذكريات كانت في حالة تجّمد مؤقت، تنتظر أن تعود إلى الحياة. وما كانت تحتاجه هو هذا المهماز الصغير، قد يكون مذاقاً لأكل ما، أو صورة، أو صوت، وربما كلمة أو حدث صغير مباغت. وهو بهذا أميل للفيلسوف هنري بيرغسون، صاحب فكرة «الاستمرارية»، التي فتنت بروست. فلا شيء ينتهي، ولا شيء ينقطع، والنفس ليست مقبرة وإنما هي مخزن، تتعتق فيها المخزونات وتتفاعل، ثم تنبعث مرة أخرى، بمجرد أن تتاح لها الفرصة، فنقبض على هذا الجزء الثمين الذي ظننا أنه تاه منا. هذه التقنية في استعادة الذكريات تجعل نقاداً، يتحدثون اليوم، عن حس مستقبلي عند بروست، وتخيل لإمكانات في الاستعادة لم تكن أدواتها التكنولوجية حاضرة يومها.
نتعلم مع بروست أننا أعجز من أن نقدّر قيمة اللحظة التي نعيش، لأننا لا نعي أهميتها، أما حين نتمكن من إحيائها، ندخل فردوس التلذذ المتأمل. فالراوي ماتت جدته التي يحبها شديداً وكذلك مات والده، ووالدته التي كان متعلقاً بها، ولم يحافظ على حبيبته ألبرتين، التي أصلاً لم يكن يدرك أهميتها وهي إلى جانبه. لكنه حين يسترجع كل هؤلاء، يخرجهم من داخله، ينفض عنهم غبار الغياب، ويعودون أحياء أمامه، بصفاء كامل، يسعد بهم وبنعمة وجودهم، كما لم يفعل حين كانوا موجودين بالفعل.
لا بد من انتظار نهاية الجزء الأخير، حتى تكتمل المشاهد، التي كانت الظروف تستدعيها مجتزأة، لنشعر أن حياة بأكملها تستعاد عفية حيّة بكامل نبضها وحيويتها.
فبمجرد أن يصل إلى نهاية المغامرة، أي أن يفلح الراوي في جعل الماضي موجوداً في الحاضر، يفهم أنها ليست سوى البداية. لأنه الآن عليه أن يبدأ بكتابة المغامرة أو يسجل هذا الاكتشاف، وهو في هذه الحالة، ما كتبه في «البحث عن الزمن الضائع». الراوي شبيه ببروست في تساؤلاته، وقلقه واهتمامه بالبحث عن المواضيع نفسها، تتملكه رغبة رهيبة بالكتابة، دائم البحث عن موضوع يريد أن يكتب عنه ولا يجده. مشغول بحياة اللهو والسهر، والصالونات. يعيش في عالم برجوازي، منغلق، ينتظر قصة حب لا تأتي، ولا وقت لديه للبدء بكتابة قصته المأمولة. فذلك يتطلب تركيزاً، كي لا يتورط في كتابة شيء لا يليق بالقراء.
أما الوعي الحقيقي بمعنى الأدب فلا يدركه الراوي إلا في الصفحات الأخيرة، من خلال 3 ذكريات تأتيه بشكل لا واع، بقيت عالقة في ذهن القراء. تعثره على باب منزل صديقة قديمة مسنة، أثناء زيارة صباحية لها، تعيد له ذاكرته حين شاباً صغيراً ووقع في ساحة سان مارك في فينيسيا. ثم يسمع خادمة تحرك ملعقة في فنجان، فيعود إليه صوت طرق موظف سكة الحديد على عجلة القطار، حين كان مسافراً مع جدته. وعندما يمرر الفوطة على شفتيه بعد أن يشرب، فيسترجع إحساسه بالمنشفة على جسده، وهو يمررها عليه، أثناء إجازة كان يقضيها في «بلبك».
يمكنك أن تقرأ «البحث عن الزمن المفقود» كقصص، أو ككتاب واحد، بطريقتين أو وجهتين. مرة أولى باعتباره بحثاً عن الزمن الضائع. ومرة ثانية قراءة كتاب الأديب، بعد أن وجد الفكرة التي يريد الكتابة عنها، بحيث ترتبط كل ذكرى بالأخرى، كأنك تدخل دائرة بروست المغلقة. فقراءة هذا الفنان الفريد هو غوص في معنى الوجود والعدم، ونحن نحيا لحظاته الكثيفة المستعادة، فإذا بإحساسنا بالوقت يتغير، ونظرتنا إلى وظيفة الأدب، وتأثيره على النفس تكتسب معنى آخر.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.