انتصارات روسيا استعراضية ورحيلها سيكون أعيادًا قومية

انتصارات روسيا استعراضية ورحيلها سيكون أعيادًا قومية

الخميس - 29 ذو القعدة 1437 هـ - 01 سبتمبر 2016 مـ رقم العدد [13792]
صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق
لأن تخاذل هذه الإدارة الأميركية قد أرخى العنان لروسيا الاتحادية وجعلها تتصرف ليس كدولة كبرى فقط بل كدولة عظمى، فقد ساد انطباع بأنَّ هذه المرحلة، في الشرق الأوسط، مرحلة روسية كما كانت هناك مرحلة عثمانية ومرحلة فرنسية وبريطانية ثم أميركية، وبالتالي فإنه لا بد من «الاستسلام» لكل هذه المستجدات ولا بد من التلاؤم مع ما أصبح يعتبر واقع حال!!
وبالطبع فإن فلاديمير بوتين، الذي لا شك في أنه يعرف حقائق الأمور ويدرك أنَّ أوضاع روسيا الداخلية والإقليمية وأيضًا الدولية لا تؤهلها ولا تسمح لها أن تتمدد في هذه المنطقة كما تريد، قد بالغ كثيرًا في إظهار أن موسكو غدت مطلقة اليد في هذه المنطقة وأنها قادرة على فعل ما فعلته في سوريا في دول عربية أخرى وأيضًا في إيران وتركيا.
والحقيقة أننا إذا نظرنا إلى الأمور من خارج زاوية «الصعقات» السياسية والعسكرية التي لجأ إليها فلاديمير بوتين، إنْ في سوريا وإنْ في تركيا، فإننا سنجد أنَّ روسيا الاتحادية لم تحقق أي إنجاز «استراتيجي» فعلي وإن كل ما حققته هو مجرد «حركات أكروباتية» ستكون نهايتها قريبة، وأن أوضاعها الداخلية التي تعاني من أزمات كثيرة ستجعلها تعود أدراجها هرولة إلى الداخل مع الاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به مما حققته حتى الآن والمقصود هنا هو قاعدة «حميميم» في سوريا.
كان ذهاب روسيا إلى إيران وإرسال قاصفاتها الاستراتيجية من همدان لتضرب في سوريا من أجل إظهار أن يدها غدت مطلقة في هذه المنطقة ومن أجل مزيد من إخافة بعض العرب وإفهام الرأي العام العربي بأن الروس غـدوا «قدر» هذا الشرق الأوسط كله وأن دول الاتحاد الأوروبي قد انكفأت على نفسها بعد ضربات بروكسل وباريس التي نسبت إلى «داعش» وأن باراك أوباما لم يعد يولي العرب ومنطقتهم أي أهمية فعلية وعلى أساس أن المصالح الحيوية الأميركية قد انتقلت إلى الشرق الأقصى.
إنَّ المقصود هنا هو أن فلاديمير بوتين قد لجأ إلى كل هذه الحركات الاستعراضية وهو يدرك ويعرف بل ومتأكد من أن «إنجازاته» هذه ستكون كلها في النهاية مجرد أحلام وهمية وأنَّ تركيا ستفلت من يده، إنْ عاجلاً وإنْ آجلاً، وأن إيران المتورطة في ألف مشكلة ومشكلة ستضطر في النهاية إلى وضع حدٍّ للعلاقات معه وأنها لن تجعله يقترب من العراق ليحقق فيه ما حققه في سوريا، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الانتصار في النهاية سيكون إلى جانب الشعب السوري وأن موسكو ستجبر على التخلي حتى عن «حميميم».
في عام 1991 بعدما تنازل ميخائيل غورباتشوف عن سلطاته الدستورية كلها للرئيس الروسي الجديد بوريس يلتسين تم إنزال علم الاتحاد السوفياتي، من فوق مبنى الكرملين للمرة الأخيرة في التاريخ ورُفع مكانه هذا العلم الحالي ذو الألوان الثلاثة فانحسر النفوذ السوفياتي عن كل الدول التي وصل إليها، إنْ في هذه المنطقة العربية وإنْ في غيرها، وهكذا، فقد انتهت مرحلة تاريخية من المستبعد بل من المستحيل أن تعود مرة أخرى فظروف وعوامل انتصار الشيوعية قد رحلت حتى قبل أن تحل الألفية الثالثة، وهي لن تعود إطلاقًا لا في هيئة أفضل ولا في هيئة مشوهة وأسوأ.
إنَّ أول بلد عربي دخله الاتحاد السوفياتي كعلاقات دبلوماسية وكتبادل سفارات وكعلاقات ثقافية واقتصادية وليس كقواعد عسكرية هو سوريا وكان ذلك في عام 1949 بعد أول انقلاب عسكري، الذي قام به الجنرال حسني الزعيم، وهنا فإنَّ المفترض أنه معروف أن الحرب الباردة في تلك الفترة كانت في ذروتها وأن صراع المعسكرات بين السوفيات والأميركيين قد اتخذ طابع المواجهة الساخنة، وإن هذا كله قد انعكس على الدول العربية حيث إن بعضها قد انحاز إلى الكتلة الغربية، في حين قد انحاز البعض الآخر إلى الكتلة الشرقية.
وهكذا فقد بقيت سوريا أقرب الدول العربية إلى الاتحاد السوفياتي، حيث كان هذا التقارب قد وصل إلى ذروته بعد حركة الثالث والعشرين من فبراير (شباط) عام 1966 التي اعتبر نجاحها انتصارًا للجناح اليساري في حزب البعث على الجناح الآخر الذي اعتبر تقليديًا ويمينيًا، الذي ما لبث، بدوره، أن تسلم الحكم في العراق بانقلاب عسكري كانت واجهته أحمد حسن البكر وصدام حسين وأصبح نظامه محسوبًا على موسكو والكتلة الشرقية ولكن ليس بمستوى «التبعية» التي كانت دمشق قد وصلت إليها بالنسبة للعلاقة مع الدولة السوفياتية، وهنا فإن ما انطبق على سوريا كان قد انطبق على مصر الناصرية بعد إبرام صفقة الأسلحة التشيكية في عام 1955 وانطبق أيضًا على الجزائر بعد تحررها في عام 1962 وعلى دول عربية أخرى من بينها الصومال ولاحقًا اليمن الجنوبي.
لكن ما حصل لاحقًا هو أن الرئيس المصري أنور السادات قد أخرج الاتحاد السوفياتي من مصر طردًا قبل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل برعاية أميركية، وأن الرئيس الصومالي زياد بري قد فعل الشيء نفسه، وأن اليمن الجنوبي قد تلاشى والتحق بجمهورية علي عبد الله صالح بعد انهيار التجربة السوفياتية كلها، وأن الجزائر بقيت تتسلح من روسيا وتقيم علاقات متينة مع احتفاظها بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة ومع فرنسا ومع باقي الدول الأوروبية.
والمهم أن الاتحاد السوفياتي الذي أدى انهياره إلى فراغ كبير في هذه المنطقة لم يكن مكروهًا بمستوى كره الرأي العام العربي والإسلامي لروسيا الاتحادية ولرئيسها فلاديمير بوتين الآن بل إن العرب بصورة عامة كانوا يقدرون لـ«موسكو» السوفياتية مواقفها من القضية الفلسطينية ومساندتها الثورة الجزائرية ووقوفها إلى جانب مصر خلال حرب السويس 1956 وبنائها لسدِّ أسوان وتأييد ومساندة معظم حركات التحرر العربي، إنْ في آسيا وإنْ في أفريقيا.
كل هذا في حين كان الكره لروسيا الاتحادية بالنسبة للعرب كلهم ومن دون استثناء، وبخاصة على مستوى الشعوب، قد وصل إلى ذروته بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا وبعد وقوف موسكو بكل إمكانياتها إلى جانب نظام بشار الأسد ومشاركته، وليس مساندته فقط، في ذبح الشعب السوري وبعد كل هذا التحالف الشيطاني الذي أقامته مع طهران، ولذلك فإن المؤكد أن مغادرة الروس، التي من المفترض أنها باتت قريبة ولا بد منها، ستقابل بالأفراح والليالي الملاح، ويقينًا إن اليوم الذي ستتم فيه مثل هذه المغادرة سيعتبر عيدًا قوميًا كيوم تحرير الجزائر وكيوم انتصار مصر على العدوان الثلاثي.. وأيضًا كاليوم الذي أجبر فيه الخميني على: «تجرُّع السم الزعاف» يوم قبل مرغمًا بوقف إطلاق النار في حرب الثمانية أعوام التي كانت في حقيقة الأمر حربًا عربية - إيرانية.

التعليقات

د/يحيى مصري الحلبي
البلد: 
كلفورنية-مارينا
01/09/2016 - 03:48

صدق المثل القائل عليك أستاذ صالح ا(لمعلّم بألْف ولو شلَفها شلف) تحليل واقعي علمي تاريخي فالمثال أفصح من المقال. لك مني ومن كل حلبي الاحترام والتقدير ؛ لأننا سنَعُد رحيل بوتين نصراً مبيناً، وسنجعل يوم رحيله إلى غير رجعة عيداً قومياً مجيدأً. أفلس هو، والإيرانيون، وعلى الباغي تدور الدوائر.

احمد
البلد: 
مصر
01/09/2016 - 03:49

الاستاذ صالح ، الم يأن للعرب أن يبحثوا عن طريق ثالث لا يميل بهم الى كتلة شرقية او غربية ، وانما يبحثون عن وحدة سياسية واقتصادية تجعل لهم كيانا تخشاه الدول والجماعات المتطرفة التى تعيث فسادا وكأنها اصبحت دولا ذات شان ، ففى حديث للورد بريطانى جورج غالواى وهو المعروف بتعاطفه مع العرب ، تساءل ما الذى يمنع وحدة العرب - على الاقل -الوحدة الاقتصادية مثلما فعلت اوربا فى السوق المشتركة وهى التى لا يجمعها لغه واحدة او تاريخ واحد.

د. علي فرج ـ أستاذ الهندسه بجامعه لويزفيل
البلد: 
مصري/أمريكي
01/09/2016 - 04:40

ليسمح لي الكاتب ببعض الإختلاف. السؤال الجوهري هو: هل دخول روسيا لسوريا جزافاً أم إستراتيجيا؟ أقوال الروس و أفعالهم تؤكد أن الأمر إستراتيجيا، و أنهم يعون ما يفعلون. قال بوتين أنه في سوريا لمحاربه الإرهابيين و قتلهم قبل أن يعودوا لروسيا.. و روي عنه أنه لا يميز بين سائر الحركات الجهاديه. إذا هو بسوريا لمحاربه "التطرف" في عقر داره. و هنا مناحي التوافق مع الغرب. فإن أقوال و أفعال أمريكا هي نفس الأقوال و الأفعال: "نحاربهم هناك قبل أن نضطر لمحاربتهم في الداخل" ـ هكذا قال بوش و تشيني، و صارت عقيده، إلتزمها أوبام. من باب الذكري نورد زياره أولاند لروسيا بعدما توعد بمحاربه داعش. و نورد تعدد زيارات نتنياهو لروسيا، و تعدد لقاءات كيري و نظيره الروسي و كذلك بوتين. و نذكر بلقاءات أوباما و بوتين! الحال هو: بشار غائب وسوريا يأكلها اللئام و العرب غافلون!

رشدي رشيد
01/09/2016 - 06:02

الروس دخلوا الى سوريا والمنطقة العربية بضوء اخضر من أمريكا ودولة إقليمية معنية بما ستؤول اليه الوضع في سوريا كونها جارة لها ولا تريد الرحيل لبشار ونظامه. لولا هذه الاضواء الخضراء لما كان من الممكن ان يتجرأ الروس في الدخول في هذه المغامرة، هذه من جهة، هزيمة الروس في أفغانستان وحقدهم على المسلمين والمجاهدين أعطى فرصة لبوتن ان يدخل في سوريا والمناطق الاسلامية من خلال دعم شعبي غير مسبوق. تلك العوامل التي ذكرناه دفع بالنظام المافياوي الى ارتكاب جرائم مروعة بحق الشعب السوري وقتلهم للأطفال والمدنيين امام شاشات التلفزة دون رادع وبوحشية ودموية، لقد سبق وأن اسقط عملاء الروس الطائرة المدنية فوق أوكرانيا وبسلاح روسي ومرّ الموضوع مرور الكرام.

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
01/09/2016 - 10:25

منذ بداية الأزمة السورية والتنسيق واضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا التي لا تزال تتلمظ شفاهها بشبه جزيرة القرم وجيشها يزحف داخل دولة مستقلة وعضو بالأمم المتحدة، تنسيق تام وتبادل أدوار واضح في مجلس الأمن وفي كل محفل، ولا يمكن بحال أن تتدخل روسيا وقبلها إيران في سوريا دون موافقة الطرفين الآخرين "أميركا وإسرائيل"، ولكن الأميركان في نفس الوقت لم يخرجوا "حتى الآن" من الحالة التنافسية مع الروس، وظهر ذلك جلياً في معركة حلب عندما قالوا لا نعتقد أن بإمكان أي طرف حسمها عسكرياً ولكن تلك الإشارة الأميركية لم يتم إلتقاطها بشكل صحيح فزودت الجيش السوري الحر بمعلومات مهمة مكنته من نصب كمائن مميتة للجيش السوري والميليشيات الإيرانية مما تسبب في حرمان من تحقيق النصر الحاسم الذي كانوا يحلمون به، وقد ذكرتهم أمريكا "بصلف وغرور" بما قالته قبل بدء المعركة.

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
01/09/2016 - 10:28

الجرائم لا يمكن أن تصنف كإنتصارات ، فروسيا دخلت سوريا وإحتلت أجزاء منها وقامت بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية عبر طائراتها فقط لأنها لا يمكن أن تستجرأ أن تنزل قدم جندي روسي على الأرض لأنها تعرف مصيره من مصير غيره من المرتزقة التي جندتهم إيران وأرسلتهم إلى سوريا إلى حلب وغيرها من الحلبات السورية وعادوا جثثاً هامدة ، روسيا إختارت الوقوف مع مجرم حرب وشاركته إجرامه وأصبحت اليوم عدوة للشعب السوري وخاصة أنها كذبت عندما قالت أنها دخلت سوريا لتحارب داعش وإذ بها تقوم بعمليات قصف وحشية للمدنيين في محافظتي إدلب وحلب وأريافهما حيث لا وجود لداعش في تلك المحافظتيين السنيتين والتي يتجاوز عدد سكانهما ثلث سكان سوريا ، إن ما قامت به روسيا من إستعراض لأسلحتها على حساب الأوراح البريئةمن الأطفال والنساء إنما هو جريمة حرب وجبت محاسبتها وليس إنتصار .

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
02/09/2016 - 08:06

أولاً أريد ان اشكرك على مقالك القيم والمتفائل والذي يبث فينا الأمل، بالتأكيد ان روسيا اليوم تحتل سوريا وتسيطر على قرارها السياسي والعسكري وتبرم اتفاقات الهدنة وحتى دون ان تٌعلم نظام بشار الأسد، وإن خروجها سيكون عيداً وطنياً لسوريا وفرحة لكل العرب ولكل المنصفين في العالم.
ثانيا نعم ان روسيا اليوم مكروهه من غالب الشعوب العربية لموقفها المشين في ضرب المدنيين السوريين ولعدة إعتبارات ليس المجال لذكرها، إن الاتحاد السوفيتي السابق كان له رؤية ونظرية يدعو لها وهذا ما تفتقر اليه روسيا اليوم. واتفق معك ان كثيراً من أفعال روسيا اليوم هو لغرض اثبات نفسها كقوة عظمى في المنطقة في ظل تخاذل إدارة أوباما.
يوجد تكملة

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
02/09/2016 - 08:08

ثالثاً اسمح لي ان أدلي برأيي مع بالغ التقدير لمقالك، إنه لا يزال خطر قيام الحلف الثلاثي قائم( روسيا أيران تركيا) والذي سيكون نواة أو ولادة لمعسكر شرقي من جديد، اتفق معك أن مثل هذا الحلف لن يدوم بسبب افتقاره للنظرية أو المنهج، لكنه يمكن ان يشكل خطر على كل بلداننا العربية. إن المنطقة أمام مفترق طرق وان الخيار التركي هو من سيقرر الى اين نحن ذاهبون. لذا انا دعوت في تعليق سابق الى تحرك عربي وأوربي برطاني وأمريكي لمنع تركيا من الأنزلاق لهذا الحلف. أن هذا الحلف لو تكَّون سيكون خطراً على العرب وأوربا على حد سواء.
رابعا أني أحترم جميع أرائك ومن متابعين لما تكتب ولبرنامجك على الحدث ولك مني كل التقدير

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة