حمد الماجد
كاتب سعودي وهو عضو مؤسس لـ«الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية». أستاذ التربية في «جامعة الإمام». عضو مجلس إدارة «مركز الملك عبد الله العالمي لحوار الأديان والثقافات». المدير العام السابق لـ«المركز الثقافي الإسلامي» في لندن. حاصل على الدكتوراه من جامعة «Hull» في بريطانيا. رئيس مجلس أمناء «مركز التراث الإسلامي البريطاني». رئيس تحرير سابق لمجلة «Islamic Quarterly» - لندن. سبق أن كتب في صحيفة «الوطن» السعودية، ومجلة «الثقافية» التي تصدر عن الملحقية الثقافية السعودية في لندن.
TT

جرثومة دعم الانقلابات

من أعراض التخلف في عالمنا العربي استخدام النخب المثقفة للانقلابات «كرباجًا» لقمع الآخر وترويضه، كما حصل من جدل واسع بعد الانقلاب الفاشل في تركيا. وآخر ما يفكر فيه الداعمون للانقلابات تناقض هذا الدعم مع المرجعية التي يؤمنون بها، سواء كانت دينية أو ليبرالية، وقليل من الفئتين من يتسق مع مبادئه ومرجعيته.
فبعض الشرعيين لا يفتأ يكرر في أدبياته وطروحاته الحديث عن خطورة الانقلابات وآثارها الوخيمة، مثل الحديث النبوي «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه»، وما أكدته المصادر الشرعية من طاعة أولي الأمر أيًا كانوا، ولزوم الجماعة مهما بلغ ظلم الحاكم وحيفه وفساده المالي والأخلاقي والسياسي، لكن أن يشق عصا الطاعة من يقمع المنافس أو الخصم حينها يتحول الانقلابي المنشق المفرق للجماعة المهدد لسلامة الوطن كله إلى تأييد صريح أو مبطن.
وصنف آخر من الإسلاميين مكتنزة أدبياته بمقت الانقلابات، وما جرته على الأمة من ويلات وخراب وتخلف وكبت للحريات السياسية والفكرية، بل هم من أشد من اكتوى بنار الانقلابات، وحين ينجح انقلاب له سمة إسلامية، كما حدث لدولة عربية أفريقية، حينها يتحول التنديد إلى تأييد، والقدح إلى مدح، بل إن بعضهم جعل هذا الانقلاب نوعًا مهمًا من أنواع «النهي عن المنكر»، وحين ناقشت أحد مؤيدي هذا الانقلاب عن كبتهم للحريات السياسية، ومن أبرزها حق تداول السلطة التي كانوا يطالبون بها حين كانوا في المعارضة، قال لي: الوضع مختلف حين يتحول الانقلابي إلى «حكم راشد»!!!!
وقل الشيء ذاته عن بعض المنتمين للتيار الليبرالي في عالمنا العربي، الذي من أبجديات أدبياته منح الحريات، ومحاربة الانقلابات وفسادها وقمعها وفاشيتها ودمويتها ومشانقها، كل هذه المبادئ السامية نسفوها نسفًا حين يكون المنقلب عليه منافسًا سياسيًا، أو خصمًا فكريًا. حينها، تتحول الإعدامات مهما كثرت، والاعتقالات مهما عظمت، إلى نوع من تطهير الوطن من الخونة والعملاء والمأجورين المرتهنين للخارج. هي ذات الأدبيات والمصطلحات التي تتكرر على ألسنة رموز وانقلابيي الديكتاتورية العربية، مثل القذافي والأسد وصدام وصالح.
وكنا سنهضم على مضض تأييد الانقلاب الفاشل في تركيا لو أنه كان ضد بلاد يتفشى فيها الفساد والظلم والتخلف والفاشية، لكن أن يكون ضد بلد مستقر سياسيًا وأمنيًا، ومزدهر اقتصاديًا وتنمويًا، ويشكل عمقًا مهمًا للدول العربية المحورية في المنطقة في صراعها الخطير مع إيران المعتدية الغازية، فهو ما يجعلنا نحتار في تفسير هذه الظاهرة المقلقة، ولا يفهم هؤلاء المؤيدون لانقلاب تركيا الفاشل، أو لا يحبون أن يفهموا، أن تعريض هذه الدولة الاستراتيجية والدفع بها نحو ديكتاتورية العسكر، أو تحويلها إلى دولة فاشلة أو شبه فاشلة بسبب الفوضى، كما حصل لبعض دول الثورات والانقلابات العربية، هو في الحقيقة رمي للسهم على جسد الرامي، تمامًا كمن يريد أن يهش الذباب الواقع على أنفه بفأس في يده فيهشم رأسه.