امتلاك «وزن جسم طبيعي».. الثروة الصحية الأهم للإنسان

امتلاك «وزن جسم طبيعي».. الثروة الصحية الأهم للإنسان

الجمعة - 28 رجب 1437 هـ - 06 مايو 2016 مـ رقم العدد [13674]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

الاهتمام بحفظ وزن الجسم ضمن المعدلات الطبيعية ليس مهمة وهاجس البدناء أو ذوي الوزن الزائد، بل هو «أسلوب حياة» Life Style يصل المرء به لامتلاك ثروة شخصية حقيقية وهي «وزن طبيعي للجسم». وهو أسلوب حياة، لأن به تتكون طريقة المرء أيًا كان في التعامل مع ثلاثة عناصر، الأول عنصر «الأكل» كسلوك غريزي، والثاني عنصر «الوزن» كمكون أساسي لجسم الإنسان، والثالث عنصر «الطعام» الذي يتم من خلاله تزويد الجسم باحتياجاته من العناصر الغذائية كضرورة حيوية لا غنى للجسم عنها. وكأي نوع من «الأساليب» التي تنشأ لدى الإنسان نتيجة وجود عوامل أمامه عليه التعامل معها بطريقة ما، فإن فوائد تبنى أسلوب أو «ستايل» راق في «الاهتمام بحفظ وزن الجسم» يتجاوز تلك العناصر الثلاثة ليشمل الحالة النفسية للمرء، والشكل الجمالي لأجزاء جسمه، ونشاط الحركة البدنية ومرونتها، ومتعة الحياة الجنسية ولذتها، والاستمتاع الأوسع بما لذّ وطاب من المنتجات الغذائية والأطعمة والمشروبات، وغير ذلك كثير مما يتم تحصيله كمحاصيل أخرى إضافة إلى حُسن التعامل مع العناصر الثلاثة المذكورة.
ومن أقوى ملامح هذا «الأسلوب» هو منع الإصابة بزيادة الوزن أو البدانة عبر ضبط كمية الأطعمة التي يتناولها المرء، وجعل مكونات الطعام اليومي تشكيلة متنوعة من الخيرات الغذائية، وتوزيع الوجبات اليومية على حصص غذائية يتم تناولها بطريقة مريحة للجهاز الهضمي، ومضغ قطع الطعام جيدًا، ووضع نظام لتوالي تناول أطباق الأطعمة المختلفة خلال الوجبة الغذائية الواحدة، وغيرها من عناصر «الأسلوب» المريح للجسم في تناول الطعام وحفظ وزن الجسم.
ووفق ما يذكره الفلاسفة في شأن «الأسلوب»، يضيق نطاق تلك الاستفادات حينما يتغير «أسلوب» تعامل المرء مع «حفظ وزن الجسم» إلى أساليب لا علاقة لها بالوصول إلى امتلاك الثروة الصحية الأهم للإنسان، وهي امتلاك «وزن جسم طبيعي». ولذا وبمقابل هذه النظرة الواقعية والطويلة الأمد لشأن حفظ الوزن، ثمة منْ يرى أن هذا الـ«ستايل» أو الأسلوب هو طريقة يتم اللجوء إليها عند نشوء المشكلات الصحية، أي مثل مشكلة السمنة ومشكلة مرض السكري ومشكلة المفاصل ومشكلة ارتفاع ضغط الدم وغيرها. وأن منْ ليس لديهم سمنة أو زيادة في الوزن فليس عليهم أن يهتموا باتباع أسلوب في التعامل مع الوزن لأنهم «محظوظون» ولن يجنوا أي فوائد من ضبط كمية ونوعية الأكل.
وقد يكون من المفيد مراجعة بعض نتائج الدراسات الطبية لتوضيح أن «أسلوب» التعامل مع الأكل والطعام والوزن هو مفيد من جوانب شتى حتى لو لم يكن المرء لديه سمنة أو زيادة في وزن الجسم. وضمن عدد 2 مايو (أيار) الحالي لمجلة «جاما» للطب الباطني JAMA Internal Medicine، نشر الباحثون من مركز «بيننغتون» للأبحاث الطبية الحيوية في باتون روج بولاية لويزيانا الأميركية نتائج دراستهم حول التأثيرات الملموسة لاتباع أسلوب صحي في تناول الأطعمة. ولاحظ الباحثون أن الاهتمام بتناول الأطعمة بأسلوب صحي يُحسن من مستوى الصحة لدى الإنسان حتى لو لم يكن لديه سمنة أو زيادة في الوزن، وأيضًا يُحسن مستوى المزاج، والأهم يرفع من مستوى الرغبة الجنسية Sex Drive ويُقلل من درجة التوتر النفسي الذي يعيشه المرء.
وتابع الباحثون في دراستهم مجموعة من البالغين، نحو 250 شخصًا، ممنْ وزنهم طبيعي أو لديهم زيادة طفيفة جدًا في وزن الجسم، وذلك لمدة سنتين، ولاحظوا أن اتباع حمية غذائية كأسلوب حياة وليس كوسيلة لإنقاص الوزن الزائد، أدى إلى نقص في وزن الجسم بمقدار نحو 7 كيلوغرامات بالمتوسط، ولكن الأهم أنه أدى إلى استمتاعهم بدرجة عالية في نوعية جودة الحياة اليومية التي يعيشونها، وفق ما قاله الدكتور كوربي مارتن، الباحث الرئيسي في الدراسة ورئيس قسم علوم السلوكيات والوبائيات في مركز بيننغتون للأبحاث الطبية الحيوية. وأضاف: «حتى لدى منْ هم أصحاء، رأينا تغيرات بيولوجية وفسيولوجية إيجابية نتيجة تقليلهم كمية كالورى السعرات الحرارية لطعامهم اليومي». وما تم طلبه منهم خلال فترة المتابعة تقليل 25 في المائة من كالورى طعامهم اليومي، أي ربع ما يأكلون عادة فقط، ولم يستطيعوا قطع سوى 12 في المائة من كمية طاقة الطعام اليومي. وهذا التخفيف البسيط جدًا أدى إلى تغيرات مهمة في جوانب حياتية لديهم، وهو ما أكد جدواه الدكتور سكوت كاهان، مدير المركز القومي الأميركي للوزن والرفاهية الصحية بواشنطن وغير مشارك في إعداد الدراسة، وذلك في تعليقه على نتائجها بقوله: «لدينا كثير من نتائج الدراسات التي تثبت أن الخفض البسيط في كمية طاقة الطعام اليومي يُؤدي إلى نتائج صحية مبهرة».
وأفاد الباحثون أن المشمولين بالدراسة، وبعد سنتين من المتابعة الطبية، أصبحوا أقل معاناة من الاكتئاب وأفضل في نومهم الليلي وأكثر رغبة في نشاطهم الجنسي وأعلى في مستوى تواصلهم في علاقاتهم مع الغير، وأجمل في شعورهم بالسعادة خلال حياتهم اليومية. وهذه النتائج كلها تم تقييمها علميًا وفق مؤشرات نتائج اختبارات معتمدة طبيًا في تقييم هذه العناصر وليست نتائج مبنية على مجرد إبداء رأي من قبل المشاركين في الدراسة.
والواقع أن المرء يلمس أنه بتبنيه اتباع أساليب مهذبة في التعامل مع الغير، كالكبار أو الصغار أو الأصدقاء أو الأقارب، سيجني الكثير من الفوائد الصحية والنفسية، وفي شأن تناول الطعام وخفض وزن الجسم ينطبق نفس الأمر وتحصل فوائد مماثلة.


* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة