رؤية 2030.. السعودية ليست نفطاً

رؤية 2030.. السعودية ليست نفطاً

الخميس - 20 رجب 1437 هـ - 28 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13666]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

من يتجوّل في المجالس والدواوين في السعودية هذه الأيام، يرى الحيوية في أوجها، الروح الشابّة الوثّابة القافزة إلى المستقبل بشجاعة انعكست بإيجابيتها على الناس. حوار «بلومبيرغ»، ثم لقاء «العربية»، بالتزامن مع إطلاق «رؤية 2030»، أوضحت تلك الأحداث الثلاثة صورة الأمير محمد بن سلمان الذي عمل طوال الأشهر الماضية بصمت لإعداد خطّة طموحة، بغية اقتحام المستقبل. ثلاثة وثلاثون عنوانًا للمستقبل خطّها الأمير الشاب فاتحًا الحُلم للمجتمع، ورافعًا عنهم أوزار القلق، حتى لكأنه يضع أمامهم الخريطة التي ستسير عليها طموحاتهم وصولاً إليها خلال عقد ونصف العقد! لكنها هذه المرّة ليست خطّةً عاجلة إسمنتية، بل رؤية لها روحها الاجتماعية، وضخّها الاقتصادي، وروافدها الثقافية والفنيّة والترفيهية.
سمع الناس من لسان الأمير ما يريدون قوله، واعتبروا رؤيته أفقًا لهم ينقذهم من أنفاق الوساوس والقلق من مستقبل يترنّح بين نفطٍ رخيص وناضب، وآمالٍ صعبة أو مستحيلة.
في أواخر القرن الماضي، انتشرت الطروحات الباحثة في نهايات كل شيء، المهووسة بالبحث عن الذروات، على المستويات الجغرافية والثقافية والسياسية والاقتصادية.. بحوث محمومة تريد أن تصل إلى مدى كل شيء، هوس القبض على جرم النهاية، ومآل كل طريق، وذروة كل منجزٍ آسر. وفي عام 2002، أصدر أحد أشهر علماء البترول المعاصرين الآيرلندي كولن كامبل، مع آخرين، أطروحة بعنوان: «نهاية عصر البترول»، وقد شغل المؤلف مناصب كثيرة بكبرى شركات البترول العالمية، واكتشف بنفسه كثيرًا من حقول البترول في أنحاء الأرض، وتحدّث عن أن «شروط الإنتاج ستنطوي، وقبل استخراج آخر قطرة بترول بفترةٍ طويلة، على مصاعب لا يُستهان بها». وهذه اللحظة من ذروة النفط، التي ستأتي يومًا لا محالة، كانت غصّةً في حلوق الباحثين في مجالات التنمية والنهضة، فبقدر ما ساهم النفط في تأسيس الأرض، وخدمة الناس، ورفع مستوى الطبابة والمعيشة والاقتصاد والتعليم، فإنه أثّر على القيم. ومن خلاله، يمكن الانطلاق إلى استراتيجية أخرى غير نفطية، فكانت «الرؤية». ولحسن الحظّ أن لحظة تغيّر قيمة النفط، أو انتهائه، لم تأتِ بعد، بينما استبقتها الرؤية لوضع حدٍ لمأساويةٍ اقتصادية يمكن أن تحدث ما لم نستعد لمثل ذلك الحدث الرهيب، بل الحدث الكابوس.
لقد تأسست السعودية من دون نفط، يقول الأمير، بمعنى أن النفط ليس دستورًا، وليس مقدّسًا. ومن هذه الرؤية، ينطلق في حديثه المرتّب لشرح الرؤية التي أقرّت من مجلس الوزراء، ويصرّ على ضرورة إقناع المجتمع: يحرص على جمع المغرّدين، والمثقفين، والدعاة، والمتخصصين، من أجل نقل الصورة لهم، لشرحها لمجتمعهم، فلديه رغبة ملحّة بالإقناع والإفهام، وهذا يذكّر بما فعله جدّه الملك عبد العزيز، إذ كان شغوفًا بإقناع من حوله بما يهمّ بفعله، وما يريده لمجتمعه، كما يروي مستشاره حافظ وهبة. والأمير امتلك خاصّية الإقناع، حين تحدّث بوضوح حتى عن الوزراء والأمراء بما يجب عليهم الالتزام به ضمن هذه الرؤية التاريخية، وفي حديثه عن الفساد وضرورة مكافحته ضمن عمل المؤسسة المخوّلة بذلك.
ورغم الزخم الاقتصادي الذي تضمنته الرؤية، والحديث عن مراحل ما بعد النفط، والبدء بترشيد الإنفاق، والتخطيط للصناعة العسكرية، غير أنها تضمنت التغيير الثقافي الاجتماعي، لجهة تمتين العلاقة بين المجتمع والفنون، فالمجتمع ليس نفطًا، والفنّ والترفيه له علاقة كبرى بحيوية الإنتاج. والاقتصاد أقصر الطرق للتغيير الثقافي والاجتماعي. قد تغيّر المعادلات الاقتصادية، والثورات المالية، ما لم تغيّره الرؤى والنظريات، والندوات والمؤتمرات، خاصة حين تكون محلّ اهتمام شخصي من الرجل الثالث في الدولة، صاحب الرؤية الوثّابة والشابة، مثل الأمير محمد بن سلمان. يمكن للاقتصاد أن يغيّر لا من قيم العمل والإنتاج فحسب، وإنما من الفضاء الثقافي والفكري والاجتماعي، ويمكنه رسم ملامح أخرى نحو الانفتاح على العالم، وتغيير القناعات الموروثة الغابرة.
مرّت عقودٌ من أحاديث العالم عن السعودية التي يسكنها الجيل الشاب بأغلبيةٍ ساحقةٍ، من دون أن يكون لهم أي صوتٍ أو تدبير، غير أن هذه المرحلة من التاريخ جعلت أميرًا شابًا يشاركهم آراءه ومقترحاته، ويرسم معهم رؤية البلاد، ويرى فيهم ثروةً لا تضاهى. في حواره يقول: «يجب أن نشيد بكل السعوديين، لدينا عقليات سعودية مبهرة ورائعة جدًا ومشرفة، خاصة في جيل الشباب: طاقة قوية، شجاعة، ثقافة عالية، احترافية جيدة وقوية جدًا. باقٍ فقط العمل، نعمل لصناعة السعودية التي نريدها في المستقبل، لكن هذا لا يعني أننا نركز ونكثف في كيفية تثقيف وتعليم وتطوير أجيالنا القادمة، هذا عنصر مهم جدًا». إنها السعودية الجديدة، ولادة أخرى لمستقبلٍ آخر، اختار الملك سلمان من هذا الجيل الوزراء والمسؤولين وكبار التنفيذيين. وداعًا أيها النفط، ومرحبًا بمستقبلٍ آخر، يجمع بين المسؤولية والإنجاز والاستقرار والرفاه، فالخليج ليس نفطًا، كما قال يومًا الوزير الراحل غازي القصيبي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة