فجأة ومن غير مقدمات، بدت الفيدرالية، كلمة سحرية لحل المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلدان العربية، التي مر بها «ربيع الغضب».
فقد برزت مؤخرًا، مطالبة بنظام فيدرالي في سوريا، يتيح للأكراد تأسيس حكم ذاتي خاص بهم. ومن قبل فشلت محاولات تأسيس نظام فيدرالي في السودان، وانتهى الأمر بانفصال الجنوب، عن المركز. وفي العراق، هناك حكومة كردية شبه مستقلة، في الشمال، ومحاولات لتقسيم العراق، إلى ثلاثة كيانات على الأقل. والأمر لا يختلف كثيرًا، حين يتعلق الأمر بالمطالبات بنظام لا مركزي، في ليبيا واليمن.
يغيب في هذه المطالبات، الوعي بماهية الفيدرالية، وشروطها والظروف التي تتحقق فيها. وفي القاموس السياسي، يعرف النظام الفيدرالي، بأنه نوع من الحكم، تكون فيه السلطة موزعة، بنسب ينص عليها الدستور، بين المركز والأقاليم التابعة له. وظروف تحقق هذا النوع من النظام، هي توصل جميع المعنيين إلى التسليم بعمق الاختلاف، وصعوبة الوحدة.
الفيدرالية هي خطوة متقدمة بين كيانات متباينة في ثقافاتها وبناها الاجتماعية وانتماءاتها القومية والدينية والسياسية، يفرض عليها حالة من التعاضد والتعاون واختيار صيغة حكم، توصل إلى نوع من الوحدة. إنها انتقال من حالة التشرذم، إلى تحقيق قدر مقبول من اللُحمة. ويحدد مستوى هذه الفيدرالية، قدر التقارب أو التباعد بين الأعضاء المنضوين فيها. وكلما تباعدت المسافات زادت صلاحية حكومة الإقليم، وضعف دور المركز، وكلما تراجعت عوامل الفرقة، زاد تأثير المركز، حتى يصل الأمر إلى حد الوحدة الاندماجية الكاملة.
لقد أصبح من القوانين المعروفة، في العلوم السياسية، أن الفيدراليات تقام بين دول ترغب في حالة من الوحدة مع بعضها بعضًا، ويصعب عليها تحقيق اندماج كامل بينها، بفعل عوامل موضوعية ومورثات تاريخية. تتحقق الفيدراليات في دول كبرى، بقوميات وأجناس مختلفة، وبجغرافيا ممتدة، كما الحال، في الولايات المتحدة وكندا وروسيا، والصين، ولا تكون في كيانات، لا تصل مساحتها ولا تعداد سكانها، حجم وتعداد سكان ولاية أميركية واحدة كولاية تكساس.
وإذن، إن الفيدرالية لا تأخذ مكانها بين شعوب حققت وحدة اندماجية بينها، وعاش أبناؤها لعهود طويلة في سلام ووئام. لا يسجل لنا التاريخ، انتقال شعوب من وحدة اندماجية متحققة إلى أنظمة فيدرالية. إن التاريخ يؤكد أن الشعوب تتجه نحو التطور من الأدنى إلى الأعلى، وصولاً إلى تحقيق الوحدة القومية، وأن النقيض لذلك هو اتجاه ناكس، من الأعلى إلى الأسفل.
إن العقود التي تبرمها الشعوب، حين تختار شكل الدولة، غير قابلة للنقض. قال ذلك أبراهام لينكولن، حين انفصلت الولايات الجنوبية عن الولايات المتحدة. إن الجنوبيين اختاروا الانضمام بمحض إرادتهم إلى الاتحاد، ولم يعد لهم حق في التراجع عنه. وهكذا حدثت الحرب الأهلية الأميركية، وأُرغم الجنوبيون على العودة إلى الاتحاد.
وهكذا، تبدو الفيدرالية، نشازًا وبالضد من حقائق التاريخ والجغرافيا، يحاول فرضها على أسس ستؤدي في نتائجها إلى متتاليات جديدة من الفرقة والتفتيت. ولذلك ينبغي رفضها، وطنيًا وقوميًا.
بلد كالعراق، على سبيل المثال، لم يشهد في تاريخه الطويل، أي نوع من الحروب الطائفية. ولا كان التجانس بين العراقيين موضع جدل. لقد اختلطت دماء أبنائه وتقاسم كثير من عوائله الانتماء لهذه الطائفة أو تلك. وبات من الصعب الفصل بينهم وتمييزهم على أساس انتماءاتهم المذهبية. وحتى الصراعات والحروب الإثنية التي شهدها الشمال العراقي بين الزعامات الكردية التقليدية والحكومة المركزية لم تكن أسبابها دائمًا صبوات للتحرر من اضطهاد العرب، وتحقيق الاستقلال، بل كانت بفعل تحريض من قوى خارجية كثيرة، تبادلت أدوارًا في دعم الانفصال، وفقًا لتغير الخريطة السياسية الدولية، وانتقال المصالح. والصراعات بين الأكراد أنفسهم بلغت حد الاقتتال، ولم يشفع لها وجود نظام لا مركزي أو «فيدرالية».
8:27 دقيقه
TT
في نقد الفيدرالية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
