غاري شيلينغ
كاتب من خدمة بلومبيرغ
TT

شيء مضحك حدث في طريق الركود الاقتصادي

مع بداية العام، انتشر الخوف من وصول حالة الركود الاقتصادي إلى الولايات المتحدة، ومن ثم باقي العالم. وحتى استطلاعات صحيفة «وول ستريت جورنال» المتفائلة دومًا، التي استطلعت فيها آراء الاقتصاديين، توقعت أن يصل الركود في الاثني عشر شهرًا المقبلة نحو 21 في المائة. بالمقارنة، أعتقد أن التشاؤم بمستقبل الاقتصاد زاد بداية العام الحالي، كما زادت حالة النشاط مؤخرًا، واعترفت البنوك المركزية في الدول الكبرى، وكذلك قادة دول العالم التي تأثرت بالأوضاع، بأهمية السياسات المالية فيما أطلقت عليه «عصر الابتزاز». نادى كل هؤلاء بعمل إصلاحات هيكلية في قطاعات أخرى والإنفاق على البنية التحتية، وتبني سياسات ضريبية «صديقة لرجال الأعمال». أما بالنسبة للصين، فقد أوصت بإغلاق الشركات الخاسرة، وتقليل المخزون الضخم من الوحدات السكنية.
بيد أن المستثمرين شعروا بقلق من المجهول، وما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سوف يواصل رفع سعر الفائدة، وما إذا كانت الصين ستواصل خفض قيمة عملتها (اليوان)، وما إذا كانت المملكة المتحدة سوف تخرج من منظومة الاتحاد الأوروبي، وما إذا كان اليميني المتطرف دونالد ترامب أو اليساري المتطرف برني ساندرز سوف يكون الرئيس المقبل لأميركا.
لم أشعر بالخجل من التنبؤ بالركود عندما وصلت الأمور لذروتها، كما فعلت أثناء فقاعة الـ«دوت كوم» التي حدثت في نهاية حقبة التسعينات، وعام 2007 عندما بدأت أزمة الرهن العقاري تتكشف. لكن هذا العام، ببساطة، لم أرَ ما يمكن أن يسبب الركود.
وبالتأكيد، فقد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة في ديسمبر الماضي، وخطط لرفع السعر أربع مرات قادمة خلال عام 2016، بيد أنه أطلق استغاثات كاذبة لتسريع النمو وإعادة النشاط لسوق العمل، بما يعني أنه إنْ لم يكن فعل شيئًا العام الماضي لاهتزت مصداقيته أكثر وأكثر.
عندها حدث شيء طريف قبل حالة الركود الاقتصادي التي توقعها الجميع؛ لم تخفض الصين قيمة عملتها (اليوان) بدرجة كبيرة، وعادت كما فعلت في السابق، إلى الإنفاق في البنية التحتية، للحيلولة دون حدوث انهيار للنمو الاقتصادي.
ومع ثبات معدل التضخم عند درجتين دون المستوى الذي استهدفه الاحتياطي الفيدرالي، واستمرار معدل الانكماش الخطر، تراجع البنك المركزي عن خطط رفع سعر الفائدة. وخلال الاجتماع الذي عقد في 16 مارس (آذار) الماضي، قلص مجلس الاحتياطي الفيدرالي معدل الربع في المائة المتوقع هذا العام إلى نصفين، وقلص توقعات تضخم نهاية عام 2016 إلى 1.2 في المائة، مقارنة بـ1.6 في المائة. واستمر مؤشر «ستاندرد أند بورز 500»، الذي تراجع بواقع 5 في المائة في يناير الماضي، في الارتفاع منذ الأسبوع الثاني من فبراير الماضي، وارتفع العام الحالي بنسبة واحد في المائة.
لكن لم تتغير الأسباب التي دعت للحذر من مستقبل النمو خلال الشهر الماضي، ولم يكن هناك ما يدعو للتفاؤل. أولاً، ستستمر أسعار السلع في الهبوط على الأرجح في ظل الزيادة البطيئة في النمو العالمي وتلبيتها للواردات الناتجة عن الاستثمار الزائد، وميل كثير من منتجي السلع لزيادة الإنتاج مقابل الأسعار المتدنية. يعتبر ذلك صحيحًا بدرجة كبيرة بالنسبة للنفط.
ثانيًا، لا يزال العالم يعمل على الديون الثقيلة وعلى غيرها من مواطن الخلل التي تراكمت منذ حقبتي الثمانينات والتسعينات. وكمثال تراجع إجمالي ديون الأسر الأميركية، التي تعتبر جزءًا من الدخل الصافي بعد استقطاع الضرائب، بواقع 104 في المائة، مقارنة بذروة ارتفاعها التي بلغت 130 في المائة، بيد أنها تظل فوق المعدل المعتاد السابق الذي بلغ 65 في المائة. ارتفع معدل مدخرات الأسر من 2 في المائة عام 2005 إلى 5.4 في المائة في فبراير الماضي، إلا أنه لا يزال أقل من مستوى 12 في المائة، الذي تحقق في الثمانينات والذي أتوقع العودة إليه.
انتهت العقود الثلاثة للعولمة وحولت مناطق الصناعة وغيرها من وسائل الإنتاج من أميركا الشمالية وأوروبا إلى الصين وغيرها، لتقود النشاطات الاقتصادية إلى هناك. ومع انتقال كل ما يمكن نقله إلى هناك، لم يتبقَ سوى القليل من قدرات التصنيع التي يمكن تصديرها.
ولذلك، ومن أعماق اليأس ومخاوف الركود العالمي في يناير، عادت ثقة المستثمرين وآمالهم لتتجدد في فبراير ومارس الماضيين، لكن هل تغير الكثير ليعدل كفة الميزان؟
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»