يوسف مكي
* كاتب سعودي
TT

من سيربح في سباق الرئاسة الأمريكية؟

بات واضحا، أن التنافس للوصول للمكتب البيضاوي، ينحصر بالمرشح الجمهوري، دونالد ترامب، والمرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، بعد فوزهما بالانتخابات التمهيدية. لكن التتويج الرسمي لهما كمرشحين رئاسيين، سيعلن خلال انعقاد مؤتمري الحزبين: الجمهوري والديمقراطي المرتقبين.
التنافس على كرسي الرئاسة، هو تنافس بين حزبين، ودور الرابح بالانتخابات هو تنفيذ برنامج حزبه. والحزبان يحملان آيديولوجيا سياسية وانتماء اجتماعيا. وفي الغالب، ينتمي المرشح للموقع الرئاسي للقوى الاجتماعية التي يمثلها الحزب.
تمثل السيدة كلينتون عقيدة الطبقة الوسطى، التي هي عقيدة الحزب الديمقراطي، ويمثل ترامب عقيدة الطبقة الرأسمالية، التي تعبر عنها آيديولوجيا الحزب الجمهوري.
يستدعي التمييز بين عقيدة الحزبين، أمورا أخرى، أهمها صفة الثبات والتجانس لدى المنتمين للحزب الجمهوري. أما في الحزب الديمقراطي، فإنه لوحة فسيفسائية، عابرة للأجناس والأديان والطبقات، حيث يرتبط به المنتمون للطبقة المتوسطة، منهم تجار ومثقفون وموظفون وكسبة، وفنانون وإعلاميون وأقليات قومية.
الذين أتيح لهم متابعة مؤتمرات الحزب الديمقراطي السابقة، يدركون أنه أكثر لمعانا وحيوية من المؤتمرات التي يعقدها الجمهوريون. وتنعكس حيوية الحزب، على أعمار المرشحين للرئاسة بين الحزبين. ففي الستينات من القرن الماضي وصل للبيت الأبيض أصغر رئيس في التاريخ الأميركي، جون كيندي. وفي التسعينات وصل شاب آخر هو بيل كلينتون، واستمر في سدة الرئاسة دورتين. ولا يختلف الأمر مع الرئيس الحالي، باراك أوباما، الذي تسلم منصبه في الدورة الأولى وهو لم يتعد سبعة وأربعين عاما. وفي المقابل وصل للبيت الأبيض عن الحزب الجمهوري، شيوخ وعجزة، بضمنهم دوايت أيزنهاور ورونالد ريغان وجورج بوش الأب.
هذه المقدمة تقودنا إلى النقطة الجوهرية الثانية، وهي البرامج التي يتعهد كل مرشح بتطبيقها في حالة فوزه بمقعد الرئاسة. وقراءة هذه البرامج هي التي تتيح تقديم قراءة استشرافية، عمن يرجح فوزه بمقعد الرئاسة في الانتخابات القادمة، التي سيعلن عن نتيجتها في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم.
وطبيعي أن تنبثق هذه البرامج من طبيعة هيكلية وعقيدة الحزبين. فمطلب الجمهوريين، هو تخفيض الضرائب، ورفع سيطرة الدولة عن الاقتصاد. ومعنى ذلك تقلص إيرادات الدولة، بما يقتضي تخفيض الخدمات التي تقدمها، والنيل من المكتسبات التي تتحقق اجتماعيا أثناء هيمنة الديمقراطيين. ويستتبع ذلك تخفيض أعداد موظفي الدولة، وتقليص أفراد الشرطة، بما يسهم في وصول الاقتصاد إلى حالة انكماش، ورفع مستوى الجريمة، وتحقيق الكساد، وزيادة أعداد العاطلين، وبقاء نسبة كبيرة منهم دون مأوى.
أما الديمقراطيون، فيعملون على رفع مستوى الضرائب بشكل تصاعدي، وتضخيم الأجهزة البيروقراطية، لتوفير الوظائف ومقابلة استحقاقات الناس. والهدف هو تحقيق دولة الرفاه، حيث تتحسن الخدمات الصحية والتعليمية. وتسود حالة من الانتعاش الاقتصادي.
وعلى هذا الأساس، فإن الوصول لسدة الرئاسة، يرتبط بمعادلة دقيقة، التضخم أو الانكماش. فالانتعاش الاقتصادي، الذي يرتبط ببرنامج الديمقراطيين، من شأنه أن يرفع نسبة التضخم، بشكل تصاعدي، إلى أن يصل إلى مستوى ليس بمقدور محدودي الدخل تحمله.
الوضع الراهن، لا يشي بأن مستوى الانتعاش الاقتصادي بلغ أوجه. لقد وصل أوباما لسدة الرئاسة في ظل أزمة اقتصادية عالمية حادة، بعد أزمة الرهن العقاري الشهيرة، وتمكن من التعامل معها بجدية، وخرجت أميركا، بشكل جزئي، من أزمتها. لكن دورة الانتعاش لم تكتمل بعد، وهي بحاجة إلى أن تتواصل، لدورة رئاسية أخرى على الأقل، لصالح الديمقراطيين.
وأميركا لا تحتمل تقليص إيرادات الدولة، وتخفيض الخدمات، والدخول في مرحلة انكماش، فهي لم تتجاوز بعد، أزمتها الاقتصادية السابقة.
ولذلك، فإن كل المؤشرات الاقتصادية، ترجح فوز المرشح الديمقراطي لسدة الرئاسة، وفي هذه الحالة، نعني السيدة هيلاري كلينتون، ما لم تحدث مفاجآت أخرى، ليست في الحسبان.
* كاتب سعودي