د. عبد الجليل الساعدي
TT

موت القلم

هل مضى عصر القلم، أم أنه بات ينحسر فقط؟ هل ما زال الناس يصفون القلم وسحره في الكتابة...؟ بل هل ما زال الناس يشترون الأقلام...؟! أم أن عصر القلم قد ولّى وانتهى؟

كان الكتاب يمسكون القلم بأصبعين اثنين أو ثلاثة على الأكثر، وفي هذا العصر الغاشم يوظفون أصابعهم العشرة، لكي يمسكوا بالكلام ويقيدوه لئلا يطير.
الآن تغير شكل القلم، ولم يعد في مقدورنا أن نعرف له شكلا.
كان القلم سيدَ الموقف في الكتابات السالفة، ولم يعد الآن صامدا بثقله السابق، فقد جاء من يُحصي عليه أنفاسَه، ويخرجُه من دائرة الضوء، ويسطو عليه، بل يحاول الآن رميَه خارج الزمن، فقد أصبح القلم الآن مثل فردة حذاء واحدة، لم يعد نافعا، ولم يعد حمْلُه أو أمرُه يهمان أحدا، بعد أن كان لا يفارق الجيوب والحقائب والمكاتب، بل وحتى آذان البقالين والخضريين.
يا حسرتا على القلم..! فعلى الرغم من كفاحه المرير، وصموده في وجه الجهل والتخلف، لم يعد أحد يقدّر له نضاله هذا. هكذا ببساطة ننسى فضل القلم، هذا الجماد الذي أضاء للبشرية طريقها الحالك، وأنار لها الدياجير المظلمة، وانتشلها من الجهالة، ها هي ذي البشرية تنكر جميله، وتدير له ظهرها، وتكاد تلقي به في مزبلة التاريخ. كم هو ناكر للجميل هذا البشري…!
أصبح الكاتب الآن لا يفكر في قوة مادته ومتانة متنه، ودقة لغته، ورشاقة مفرداته، ولكنه مشغول بتحريك يديه في اتجاهات لا حصر لها من أجل إخراج مادته، حتى وإن افتقدت للنضج. ونالت منها الرداءة اللغوية. فكيف تكون ناضجة، ولوحة مفاتيح الحروف تتقاسم النضج معها!؟
إن لوحة الحروف وما عليها من علامات الترقيم، وعلامات التنوين والرفع والنصب والجر وهلم جرا، كلها تُذهب التفكير، وتشتّت اللبّ والأفكار، وتشوش الذهن.
هناك كتّاب على الرغم من عشقهم للقلم، قرروا منذ زمن الاستغناءَ عنه، لأن الصحف والمجلات والدوريات، لا تقبل سلاحَك القديم هذا، وهي لا تكتفي بذلك، بل تعدّك من جيل العصر الحجري، إن كتبت بالقلم التقليدي.
في ظل هذا الموت السريري للقلم التقليدي، دعونا نترحم عليه، ونؤبّنه ونستذكر ما قيل فيه:
يُروَى في الكتب القديمة، والعهدة على الناقل الأول، أن سليمان سأل عفريتا عن الكلام، فقال: ريح لا يبقَى. قال: فما قيْدُه..؟ قال: قيده الكتابة.
شبه الكلام ها هنا بالريح، وأنه لا سبيل إلى احتوائه إلا بالكتابة. ولهذا يقول الليبيون «قيّد هذا» أي (سجّله في ورقة)، وقيّد الدابة أي اربطها.
ولكن الكلام لم يعد ريحا الآن. بل يمكن قيدُه بسهولة ويسر بواسطة تسجيله بعملية أسهل من عمليتي الشهيق والزفير اللتين نحتاجهما لنحيا.
القلم «يصيد العلوم، يُبكي ويُضحك. والقلم لا ينطق، لكنه يُسمع الشرق والغرب.. والشمال والجنوب. فهو ينوب عن اللسان، واللسان لا ينوب عن القلم».
يقول ابن المقفع في وصف القلم: «إنه يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، ويمشي على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء. القلم بريد القلب؛ يخبر بالخبر وينظر بلا نظر».
وقالوا في القلم:
وأرقش مرهوف الشباه مهفهف
يشتت شمل الخطبَ وهو جميعُ
تدينُ له الآفاقُ شرقا ومغربا
وتهنو له ملّاكها وتطيعُ
حمى الملكَ مفطوما كما كان تحتمي
به الأسدُ في الآجام وهو رضيع
وقالوا أيضا:
وأهـيف مذبـوح على صدر غيره
يترجم عن ذي منطق وهو أبكـمُ
تراه قصيراً كلما طال عمرُه
ويضحي بليغاً وهو لا يتكلمُ
قال سهل بن هارون: «القلم لسان الضمير، إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره».
قالت العرب: عقول الرجال تحت أقلامها
فهل عقول الرجال الآن تحت لوحة مفاتيح الحروف؟
****
القَلَم: هو أداة الكتابة. والأصل في الكتابة القيد والربط. لأن العرب كانت تقول قديما: كتب البعير بمعنى قيّده. والجمع أقلام وقِلام. ومنهم من جمعه على أقاليم قال الشاعر:
صَحِيفةٌ كُتِبَتْ سِرّاً إلى رَجُلٍ
لم يَدْرِ ما خُطَّ فيها بالأَقالِيم
والمِقْلَمة: وعاء الأَقْلام.
ولكن لم تعد هذه الأوصاف صامدة الآن، فقد جاء من وضع حدا لها، وأزال القلم شكلا ووقعا.
وهكذا أزاحت لوحة مفاتيح الحروف المسطحة البشعة، ذلك الشكل الرشيق المهفهف الساحر، وحبست عليه أنفاسه، وأقضت مضجعه.
فهل رفعت الأقلام وجفت الصحف؟!