روس دوثات
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

آخر وجوه عائلة بوش

كان جورج اتش دبليو بوش أول سياسي أمقته على الإطلاق. كنت في الثانية عشرة من العمر، وكان والداي ديمقراطيين مخلصين، وكنا نشاهد الأخبار كل مساء، ونهلل لأي كلام يقوله بيل كلينتون، ثم نحدق ساخطين في الشاشة عندما كان الإعلامي بيتر جينينغ ينتقل إلى بريت هيوم، مراسل البيت الأبيض آنذاك، لمعرفة آخر تطورات ما ينوي الرئيس القيام به.
وبالنسبة إلى طفل، حديث العهد بالسياسة، نشأ في أسرة ترى الجمهوريين قمصانًا منتفخة وقبعات سوداء، أصابتنا حقيقة أن بوش الأب قد تم انتخابه رئيسًا للبلاد بالذهول. كان صوته، وتأثيره وسوء توظيفه للكلمات، وجبهته التي لا نهاية لها – كان كل ذلك يذكرني بأحد الساسة التقليديين في أفلام الأبيض والأسود التي كان والداي يشاهدانها، وظللت أفكر: هل يمكن أن يحب أي شخص هذا الرجل؟
من بين الإجابات، وهذا ما تعلمته لاحقًا، أن عددًا قليلاً نسبيًا من الناس كانوا يحبونه فعلاً. ولا يعني هذا أن بوش لم يكن قد حصل على نصيبه من المؤيدين على مدار حياته العملية المميزة. لكن بمعايير الرؤساء المعاصرين، كان يفتقر إلى قاعدة من الأنصار المحبين بصدق. كانت الحركة المحافظة تعتبره دائمًا خيبة أمل، ولم يكسبه اعتداله أي رصيد لدى الليبراليين، فيما لم يكن من نوع الشخصية التي تلهث وراءها الصحافة، وكان الناخبون المرتبطون به بقوة قليلين، على خلاف الرئيس المحبوب رونالد ريغان، أو صاحب الكاريزما، بيل كلينتون – أو حتى الرئيس بوش الابن، الأكثر شعبوية وثقة.
لذا، لم تكن كل ميولي السياسية، وأنا في الـ12 من العمر مخطئة. كان بوش الأب يمتلك العديد من المواهب، لكنه لم يكن سياسيًا يتمتع بالقبول تحديدًا.
وكما يتضح، فإن نجله الثاني جيب بوش لا يتمتع بذلك الحضور أيضًا. لقد وصلنا إلى آخر نقطة في حملة جيب بوش، اللحظة الفارقة، حيث يكون أو لا يكون، وإذا لم تقدم ولاية نيوهامبشير مفاجأة دراماتيكية، فستكون حملته الضخمة التي تكلفت 100 مليون دولار على مسافة أيام أو أسابيع فقط من النهاية. وقد لخصت حملته، في جوانب كثيرة، نضال والده للعب دور الرئيس العصري.
كان لدى الأب «عامل الضعف»، بينما لدى الابن الثاني «حيوية أقل». عانى الأب في مواجهة ملياردير شعبوي؛ ونفس الشيء ينطبق على الابن. (رجل الأعمال روس بيروت آنذاك، ودونالد ترامب الآن) لم يتذكر الناس تعبيرات الأب الملهمة (عبارته الشهيرة «ألف نقطة ضوء»)، بقدر ما تذكروا هجومه الثقافي على مايكل دوكاكيس؛ أما وعد الابن بخوض حملة «سعيدة»، فقد سقط في موجة من الإعلانات السلبية. في قول مشهور، قال بوش الأب لجماهير نيوهامبشير إن «رسالتي: أنا مهتم». وأتم بوش الابن كلمته لحشد من الناخبين مؤخرًا بجملته الخالدة فورًا، «صفقوا من فضلكم».
الفارق هو أن الأب كان يملك حظوظًا أفضل قبل هزيمته عام 1992. ترشح الأب لانتخابات عام 1988، التي سميت «ولاية رونالد ريغان الثالثة»، بينما يرتكز جيب بوش على سنوات إدارة شقيقه غير الناجحة. واجه الأب كلاً من المرشحين بوب دول ودوكاكيس؛ أما الابن فيواجه خصومًا أكثر شراسة. كما كان بوش الأب يلقى معاونة ومساعدة أفضل من مساعديه لي أتووتر وجيمس بيكر، مقارنة بلجنة العمل السياسي التي يقودها مايك مورفي، والتي تضمن أبرز إعلاناتها الهجوم على... حذاء روبيو.
إذن، ما لم يحدث تغير دراماتيكي من نوع ما، فإن تاريخ عائلة بوش سوف يكرر نفسه – المرة الأولى كصعود وسقوط، والثانية انهيار مفاجئ.
لكن قبل هذا، يستحق الأمر أن نتذكر أن الناس أدركوا أن جورج بوش الأب كان رئيسًا جيدًا جدًا في واقع الأمر، لكن بعد أن أطيح به من البيت الأبيض.
لم يحدث الأب تحولاً مشهودًا، بالتأكيد، ولم يكن بطلاً آيديولوجيًا على طريقة ريغان أو فرانكلين روزفلت. لكن تحديدًا لأن بوش الأب كانت تغيب عنه مواهب سياسية معينة؛ فقد كان كذلك من دون نقاط ضعف من النوع الموجود لدى السياسيين أصحاب الكاريزما – عدم الانضباط الفطري لدى سلفه، أو الطوباوية العنيدة لابنه، أو الفوقية المثيرة للاستغراب لدى الرئيس الحالي.
وكان معنى هذا أنه في حين لم تترك رئاسته أي إرث سياسي داخلي كبير، إلا أنها خلفت بضع كوارث، وتركت اقتصادًا بحالة جيدة، بالنسبة إلى الطفرة التي شهدها في التسعينات. قامت سياسته الخارجية على أكتاف إنجازات ريغان، لكن بوش الأب أشرف على 4 سنوات مشحونة (حائط برلين، وغزو الكويت، وسقوط الاتحاد السوفياتي) وغادر منصبه ومصالح الولايات المتحدة أقوى بكثير عما كانت عليه في أي مرحلة من التاريخ الحديث.
لكن هذا لا يمكن اختصاره في إعلان مدته 30 ثانية ليشكل حجة تدعم موقف الابن: أشترك مع والدي في ضعفه كسياسي، ومن ثم قد أكون فعليًا رئيسًا جيدًا جدًا. أنا جيب بوش وأنا أوافق على هذه الرسالة.
لكن المفارقة أن هذا قد يكون صحيحًا. لقد أثبت جيب، على مدار شهور كثيرة مؤلمة، أنه يفتقر إلى المواهب المطلوبة للفوز بحملة انتخابات تمهيدية. لكن العملية الديمقراطية ليست معصومة تمامًا، ويمكن أن يقع ضرر هائل من رؤساء يتمتعون بثراء من الكاريزما السياسية – ومعها الحماس والثقة بالنفس واليقين.
هذه الصفات موجودة بكثرة لدى كروز وروبيو وهيلاري وبريني ساندرز – ناهيك عن دونالد ترامب. وهو ما يجعلني أخشى من أننا قد نكون مقبلين على ما هو أسوأ من جون إليس «جيب» بوش، وربما هذا ما سيحدث.
الآن وقبل أن يرحل – صفقوا من فضلكم.
* خدمة «نيويورك تايمز»