يوم الأحد الماضي، حُسمت المعركة الانتخابية في بودابست، ليَصدُق بذلك ما أظهرته نتائج استطلاعات الرأي العامة المجريّة منذ شهور من اتجاه نحو هزيمة رئيس الحكومة فيكتور أوربان، وحزبه «فيدس»، لصالح حزب «تيسا» بزعامة بيتر ماجار.
في ليلة اليوم نفسه، الأحد، اعترف أوربان بهزيمته، وغادر قصر الحكومة بعد 16 عاماً قضاها في السلطة، مفسحاً المجال لمرحلة جديدة في تاريخ المجر. هزيمته غير المتوقعة، وفق معلقين سياسيين، تعدّ الحدث الأبرز في أوروبا، لأنها توثق لحظة سقوط نظام شعبوي كان يُوصف بأنه «غير قابل للكسر».
اللافت للاهتمام أن فرحة المجريين بهزيمته تُذكِّر بفرحتهم ليلة سقوط النظام الشيوعي عام 1989. غير أن الفرحة لم تقتصر عليهم؛ ففي بروكسل، تنفست الرئاسة الأوروبية ومؤسساتها الصعداء لتخلصها من «شوكة أوربان»، بينما كانت الفرحة في كييف لا توصف، حيث ستحظى أوكرانيا قريباً بالإفراج عن قرض مالي بقيمة 90 مليار يورو كان موقوفاً بفعل الفيتو المجري.
وإلى جانب ذلك، رحبت واشنطن وموسكو بفوز حزب «تيسا»؛ إذ وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة تلفزيونية، ماجار، بأنه «رجل جيد»، الأمر الذي أبهج الأخير. وفي موسكو قال ناطق رسمي باسم الكرملين إن أوربان لم يكن صديقاً لموسكو، معلناً ترحيبه بفوز ماجار.
مع حلول 15 مايو (أيار) المقبل، تنطلق الدورة البرلمانية الجديدة التي سيشغل فيها نواب حزب «تيسا» ثلثي المقاعد (138 من أصل 199 مقعداً)، أي «سوبر أغلبية» تُمكّن رئيس الحكومة الجديد من تفكيك الإرث التشريعي والقانوني لأوربان بسهولة.
السؤال المطروح الآن: هل ينجح بيتر ماجار في قيادة بلاده نحو بناء علاقة توازنية بين الشرق والغرب، أم أنه سيسحب المجر كلياً نحو بروكسل؟
بيتر ماجار ليس ليبرالياً؛ فقد كان عضواً بارزاً في حزب «فيدس»، أي إنه كان ينتمي إلى تيار محافظ سياسياً يقوده أوربان. وفي عام 2024، أعلن انسحابه من الحزب على خلفية «فضيحة العفو الرئاسي»، التي أدت إلى استقالة رئيسة الدولة ووزيرة العدل (زوجة ماجار السابقة) احتجاجاً على منح عفو لرجل ساعد على التغطية على اعتداءات جنسية في دار رعاية للأطفال. تلك الفضيحة هزَّت نظام أوربان وأفقدته مصداقيته شعبياً، وفي غضون عامين فقط، تحول ماجار من «رجل النظام» المخلص إلى الشخص الذي أنهى حقبة فيكتور أوربان بفضل صعود صاروخي في شعبيته، تزامن وترافق مع نفاد صبر المجريين إزاء الفساد وتدهور أوضاعهم المعيشية نتيجة ضعف الأداء الاقتصادي.
أما نجاحه في بناء علاقة متوازنة بين الشرق والغرب، فيتوقف على ما يُبديه من براغماتية (واقعية)، خصوصاً في التعامل مع موسكو، مع الأخذ في الاعتبار أن المجر تحصل على احتياجاتها من الطاقة من روسيا بأسعار مخفضة. لذلك، ستكون علاقته بأوكرانيا محسوبة بدقة، وبالتأكيد ستكون مرصودة من الكرملين. يساعده على ذلك أن المجريين رفضوا بشدة منذ البداية تورط بلادهم في الحرب الأوكرانية. لهذا أعلن ماجار خلال الحملة الانتخابية أنه لن يسمح بمرور الأسلحة عبر بلاده إلى أوكرانيا في حالة وصوله إلى الحكم.
في المقابل، ستكون قضية المهاجرين غير القانونيين محط شد وجذب مع بروكسل، لأنه تعهد للناخبين بالحفاظ على القيود والأسوار التي أقامها سلفه أمام المهاجرين غير القانونيين، وكذلك رفضه قبول مبدأ المحاصصة مع بقية دول الاتحاد في قبول المهاجرين. لكن ماجار في الوقت نفسه سيسعى إلى تسريع التخلص من القوانين التي شرعها أوربان، خصوصاً فيما يخص استعادة استقلالية القضاء، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى الإفراج عن مبلغ 30 مليار يورو كان قد جمَّدها بسبب انتهاك أوربان مبدأ استقلالية القضاء.
