خالد السويلم
TT

نحو سياسة مالية سعودية أكثر قوة وفاعلية

لقد كان أمرًا سارًا صدور الميزانية العامة للدولة لهذه السنة الجديدة من دون التطرق إلى «معاكسة الدورات» المعمول بها سابقًا. وذلك إشارة إلى إيقاف العمل بسياسات غير محسوبة المخاطر. وهذا في حد ذاته يعتبر تطورًا كبيرًا في طريقة إدارة السياسة المالية السعودية. يسجل هذا الإنجاز لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.
إضافة إلى ذلك، صدرت الميزانية العامة للدولة لهذه السنة بضوابط مالية وآلية جديدة ورؤى مستقبلية تختلف تمامًا عما كانت عليه الميزانيات الماضية. تتوافق مع التوجهات الجديدة لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الهادفة إلى إعداد أقوى للميزانية بمشاركة فاعلة من مختلف الأجهزة الحكومية. ويعتبر هذا التوجه الجديد في إعداد الموازنة العامة للدولة «نقلة نوعية» عن ما كانت تقوم به وزارة المالية في السابق في اختزال دور الأجهزة الحكومية الأخرى والانفراد بإعداد الموازنة والصرف منها.
نتج عن تلك السياسات السابقة هدر مالي كبير، وتعثر في إدارة مشاريع الدولة، وضياع فرص تاريخية للادخار والتحوط للمستقبل.
أوضح ذلك جليًا وزير الدولة المسؤول عن ملف كفاءة الإنفاق الحكومي بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في المقابلة التلفزيونية التي تلت إعلان الميزانية. ولو عمل بتلك المعايير في سنوات الفوائض المالية، لكان الوضع المالي للسعودية ومستوى الادخار الوطني لا يقل قوة عن الصناديق السيادية الناجحة في النرويج والإمارات وغيرها. إلا أنه كما تقول الحكمة أن تأتي متأخرا خيرًا من أن لا تأتي أبدًا.
والإنجاز الآخر البالغ الأهمية الذي يسجل لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية تفعيل دور وزارة الاقتصاد والتخطيط بقيادة جديدة تتمتع بكفاءة عالية ومصداقية كبيرة. وتعتبر الآن وزارة الاقتصاد والتخطيط بمثابة مركز دعم وطني استراتيجي لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. أو كما يسمى في الدول المتقدمة: مركز دعم داخلي An internal think tank. وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة الهامة في التحول الوطني نحو اقتصاد متنوع ومالية قوية.
يبقى دور وزارة المالية مهم جدا في إدارة هذا التحول الاقتصادي الهام، حتى لا تضعف الجهود الجبارة التي يقوم بها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ووزارة الاقتصاد والتخطيط.
وزارة المالية كانت تعاني من ضعف في الحوكمة والضوابط ومن ترهل في هيكل الوزارة بشكل عام، لذلك كان من المهم جدا إنشاء جهاز في الوزارة للتخطيط المالي خاصة وأنه هنالك توصيات متكررة من صندوق النقد الدولي بذلك، وهذا إنجاز آخر يسجل لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.
ولهذا كان قرار الدولة حكيمًا بإنشاء مجلس اقتصادي مستقل تحت النظر المباشر لولاة الأمر من خلال مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. ومن ضمن قراراته الأولى حصر مسؤوليات وزارة المالية على المهام التي أنشئت الوزارة من أجلها. والعمل على تفعيل دور صناديق الاستثمار الحكومية، لتكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، إضافة إلى إصلاح وتطوير صندوق الاستثمارات العامة الذي كان يعاني من غياب شبه كامل لأي نوع من المحاسبة أو الحوكمة المطلوبة Governance.
والأمل كبير الآن في أن يكون تفعيل الاستثمارات الخارجية للدولة من خلال إنشاء صندوق سيادي مستقل هو التوجه الحالي لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، لا سيما بعد الإصلاحات الأخيرة التي تمت بنقل الصناديق الاستثمارية الحكومية من الجمود الذي كانت تعاني منه لسنين طويلة في وزارة المالية لتكون الآن تحت النظر المباشر للقيادة، لتطويرها بما يخدم المصالح العليا للدولة والأمن الاقتصادي للسعودية.
وكما جاء في الدراسة الأخيرة بجامعة هارفارد عن السياسة المالية السعودية أن الحاجة ماسة للتحرك سريعًا نحو إنشاء صندوق سيادي مستقل في إطار مالي متوازن يحقق طموحات الدولة ومصلحة المواطن، ويعتبر ضبط السياسة المالية من خلال إنشاء صندوق سيادي مستقل شرطًا أساسيًا لتحقيق التحول الاقتصادي المطلوب. والتأخر في التنفيذ قد يكلف الدولة كثيرًا ويقلل من دائرة الخيارات المتاحة لا سيما مع الضغوط الكبيرة على الاحتياطيات والتراجع الكبير في أسعار البترول.

* عضو وخبير بمعهد كينيدي بجامعة هارفارد
كبير المستشارين ومدير عام الاستثمار السابق بمؤسسة النقد العربي السعودي