د. حسن محمد صندقجي
طبيب سعودي واستشاري قلب للكبار بمركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
TT

ما يحصل لنا عندما نعطس؟

معرفتنا بجوانب شتى عن عملية العطس تحتاج إلى توثيق علمي، وخصوصًا أن الأوساط الطبية متفقة على أن العطس من وسائل انتقال الأمراض.
ومن محاولات التحليل الديناميكي لعملية العطس ما تم عرضه ضمن فعاليات المؤتمر السنوي لجمعية الفيزياء الأميركية، المنعقد في مدينة موبيل بولاية ألاباما الأميركية، من قبل باحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لنتائج دراستهم تحليل صور الفيديو لعملية العطس، وأفادوا فيها بأن العطس الطبيعي للإنسان يدفع بسرعة عالية سحابة من رذاذ العطس الملوث بالميكروبات، وهو ما يُعرف علميًا بـ«سحابة العطس عالية الدفع» (High - Propulsion Sneeze Cloud). وبإمكان تلك السحابة أن تملأ الغرفة العادية لتنتشر فيها خلال دقائق.
وعلقت ليديا بوروبيا، الباحثة الرئيسية في الدراسة ورئيسة مختبرات ديناميكا انتقال سوائل الأمراض، بالقول: «قطرات الرذاذ لا تتكون مسبقًا ولا تتوزع بدقة في لحظة الخروج من الفم حال العطس كما كانت نتائج البحوث العلمية تذكر في السابق، بل إن قطرات الرذاذ تمر بمراحل معقدة من تتابع عمليات التفكك التي تستمر بُعيد مغادرتها للرئتين ومرورها عبر الشفاه ودفعها بعنف في الهواء الخارجي». وأضاف الباحثون أن ثمة حاجة لمعرفة المزيد عن ديناميكا العطس مما قد يُفيد في اكتشاف طرق جديدة لمنع انتشار الأمراض، وخصوصًا في فصول السنة التي تنتشر فيها أوبئة الأمراض المُعدية.
الوصف العلمي لعملية العطس يُفيد بأنها عملية طرد للهواء من الرئتين عبر الأنف والفم معًا بطريقة متشنجة لقسر خروج الهواء، وهي عملية لا تحصل بطريقة طواعية ولا يُمكن للمرء فعلها متى ما شاء، بل تحصل نتيجة لأنواع شتى من المهيجات التي تتسبب في بدء عملية العطس، وما يُمكن أن يُقال علميًا حتى هذه اللحظة إن وظيفة العطس هي طرد السائل المخاطي المتجمع داخل تجويف الأنف، وخلال هذه العملية يُشارك الدماغ وأجزاء من الجهاز التنفسي العلوي والسفلي والعين وعضلات القفص الصدري والحجاب الحاجز وغيرها من أجزاء الجسم في إتمام حصول هذه العملية.
ويُمكن للمرء التحكم الإرادي بشكل جزئي في وقف تتابع حصول كامل مراحل عملية العطس، ولذا لا يُمكن أن يحصل العطس أثناء النوم العميق، أي الفترة الزمنية التي لا يُمكن فيها إثارة الخلايا العصبية الحركية ولا يُمكن فيها أيضًا نقل الإشارات العصبية المنعكسة إلى الدماغ، وتحديدًا «مركز العطس» الواقع في الجزء السفلي من جذع الدماغ. وثمة عبارة للدكتور نيل كاو، المتخصص في الحساسية والربو بمركز الربو والحساسية في غرينفيل بولاية كارولينا الجنوبية، يقول فيها: «العطس يبدأ من الأعصاب، والأعصاب هي التي تقول للدماغ، إن ثمة شيئًا ما في الأنف يتطلب أن يتم إخراجه، ولذا تختلف سيناريوهات العطس من شخص لآخر ولدى نفس الشخص». وما أن يستجيب الدماغ لهذا الطلب في بدء عملية العطس، حتى تُرسل الأوامر لإقفال الحلق والعينين والفم، ثم تبدأ عضلات القفص الصدري بالانقباض بطريقة تشنجية وعنيفة، وترتخي بعدها سريعًا عضلات الحلق لتجبر الهواء واللعاب وسوائل الأنف على الخروج القوي عبر الفم والأنف، وبذا يحصل العطس.
ويحصل خروج الهواء باندفاع شديد بسرعة 100 ميل في الساعة، كما تقول باتي وود في كتابها «علامات النجاح: فهم لغة الجسد»، ليحمل ذلك مئات الألوف من الميكروبات إلى الهواء المحيط بالإنسان حال العطس، وهي سرعة عالية ليصل الرذاذ أرجاء الغرفة في ثوانٍ معدودات ولتنشر الميكروبات المقذوفة في محيط دائرة قطرها نحو 30 قدمًا.
مثيرات العطس لا تزال مختلفة، فمن الناس منْ يعطس عند ممارسة المجهود البدني الرياضي أو غيره، ومنهم حال التعرض للضوء ومنهم حال ممارسة العملية الجنسية. وفهم هذه الآليات لا يزال يتطلب المزيد من الجهد لفهم دواعي العطس آنذاك وإيجابياته. وعلى سبيل المثال، فإن الفهم العلمي للعطس حال ممارسة العملية الجنسية مبني على أن الأنف يحتوي ما يُعرف بـ«الأنسجة الانتصابية» (Erectile Tissue)، وهي أنسجة توجد في أجزاء متفرقة من الجسم تتميز بأنها تحتوي على فضاءات للأوعية الدموية التي قد تحتقن بالدم خلال عملية الانتصاب النسيجي. وأماكن هذه الأنسجة محددة، وهي خمسة، عضو الرجل، وبظر المرأة، والوسادة الإسفنجية المحيطة بمجرى البول في منطقة الأعضاء التناسلية السفلية من الإناث في مقابل كل من عظم العانة وجدار المهبل، ووسادة العجان الإسفنجية في ما بين فتحة المهبل والمستقيم لدى الإناث، ومنطقة القرائن داخل تجويف الأنف. وهذه المناطق كلها تحتقن بالدم حال الإثارة الجنسية، ومن ثمّ تشير المصادر الطبية إلى أن الباحثين يعتقدون أن تحفيز الجهاز السمبتاوي العصبي يطلق إشارات في بعض الناس ليس فقط لإثارة الشعور بالاستمتاع الجنسي، بل أيضًا لكي تتم عملية العطس حال الفراغ منه.
وأيضًا لا يزال علميًا من غير المفهوم أن واحدًا من كل أربعة أشخاص يعطس حال مواجهة الضوء، ولكن هناك دراسات تشير إلى تدخل الأعصاب في بؤبؤ العين ضمن مكونات نشوء عملية العطس حال انقباضه عند التعرض للضوء. ولذا أيضًا من غير المفهوم علميًا لماذا نغمض العينين حال العطس، وهو ما يحصل بشكل غير إرادي. وهناك أيضًا من الناس منْ يعطس حال فرك العينين.
تفاعل القلب شأن آخر في فهم ما يحصل خلال عملية العطس، وما تشير إليه الدراسات الطبية هو ليس توقف القلب عن النبض حال العطس، بل تدني سرعة النبض بسبب الشهيق العميق قبل البدء في العطس بفعل تفاعل العصب الحائر مع تغيرات الضغط داخل تجويف الصدر وتدفق الدم إلى القلب وضخه منه.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]