ستراديفاري... اسم قد لا يعني شيئاً بالنسبة إلى السواد الأعظم من الناس، لكن له عند أهل الموسيقى وصنّاع آلاتها مكانة ليوناردو دا فنشي في عالم الرسم والإبداع، أو «الفيراري» على حلبات سباق السيارات السريعة. كنية أصبحت مرادفاً للإتقان عندما يدنو من الإعجاز، وتخليداً لمهارة الحرفيين الذين خرجت من حوانيتهم في مدينة كريمونا، عاصمة الشمال الإيطالي قبل ميلانو، أجمل الآلات الموسيقية الوترية وأكثرها إتقاناً، تهافت عليها كبار العازفين والمؤلفين الموسيقيين والنبلاء والأثرياء في أوروبا منذ أواخر القرن الخامس عشر.
كيفما تجوَّلت في كريمونا تطالعك شواهد على الإرث الذي تركه ابنها الأشهر: أنطونيو ستراديفاري، الحرفي العبقري الذي شهد النور فيها أواسط القرن السابع عشر، وكرَّس سبعة من عقود عمره التسعة لإبداع ما يزيد على ألف آلة موسيقية وترية ما زال نصفها تقريباً محفوظاً في كبريات المتاحف العالمية، وفي خزائن مشاهير العازفين أو ورثتهم، تتنافس على اقتنائها دور المزادات العلنية التي باعت إحداها منذ عشر سنوات كماناً، خرج من بين أنامل المعلّم الأكبر عام 1715، بمبلغ يزيد على 22 مليون دولار.
جلّ الذين قصدوا ستراديفاري طلباً لآلاته الشهيرة كانوا من العائلات الأوروبية المالكة التي كانت توفد مستشاريها إلى محترف المعلم في كريمونا، يتابعون مراحل صنع تلك الآلات ويعودون بها إلى البلاط مفتخرين بتلك القطع الفريدة.
وحدهم كبار العازفين والموسيقيين يعرفون كمان ستراديفاري من صوته الذي انكبّ الخبراء والعلماء عقوداً على دراسته، ولم يتمكن أحد بعد من محاكاته أو تقليده. ويقال إن السر يكمن في توليفة فريدة من الإتقان الحرفي والمواد المستخدمة وطريقة معالجة أخشاب القيقب الأحمر والتنوب التي كان المعلم يستحضرها من الغابات العالية في جبال فينيتو. وكان يستخدم أنواعاً من الطلاء الطبيعي المركّب الذي ما زالت مكوناته وعياراته مجهولة إلى اليوم. ويذهب بعض الخبراء إلى القول إن السر يكمن في صموغ معيّنة تضفي مزيداً من النقاء على صوت الكمان وتبرز جمالية خشبه، لم تفلح التحاليل الكيميائية التي أجريت حتى الآن في تحديدها ومعرفة طريقة استخدامها.
كل الآلات التي خرجت من محترف ستراديفاري في كريمونا تحمل أسماء الذين صنعت خصيصاً لأجلهم، أو كانوا أشهر الذين عزفوا على أوتارها أو آلت ملكيتها إليهم. القصر الملكي في مدريد يضمّ إحدى أكبر مجموعتين في العالم من كمانات ستراديفاري، تخرج من خزائنها مرة واحدة كل عام ليتناوب عليها كبار العازفين يعيدون «دوزنة» أوتارها الساحرة. المجموعة الأخرى يحتضنها متحف الكمان في مسقط رأس ستراديفاري، ويتوسطها أشهر كمان في العالم يحمل اسم المدينة التي زحف نصف سكانها إلى مطار ميلانو لاستقباله يوم عودته إلى مسقط رأسه.
