سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

بحر البائسين

في أواخر القرن التاسع عشر وحتى الربع الأخير من القرن الماضي، كانت الهجرة العربية إلى الأميركتين، الجنوبية والشمالية، موزعة على ثلاث فئات؛ اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين. انتشر اللبنانيون في سائر البلدان اللاتينية. وتركز السوريون في البرازيل والأرجنتين. ولسبب لا أعرفه، ذهب معظم الفلسطينيين إلى تشيلي، حيث يشكلون أكبر جالية أجنبية.
ظهرت الهويات الثلاث في آداب وروايات أدباء وروائيي الدول اللاتينية، من أمثال ماركيز وبورخيس، كما ظهرت في أعمال بعض الأدباء المتحدّرين من الأصول الثلاثة. أبرز هؤلاء في تشيلي كان الفلسطيني والتر غريب، الذي كتب قصة هجرة عائلته إلى بوينس آيرس، الوجهة الأكثر شعبية يومها، ومنها عبر جبال الأنديز إلى تشيلي.
تبدأ رواية «المسافر ذو البساط السحري» في ميناء حيفا، حيث يستعد بطلها بشير مجدلاني، مع نحو 100 رجل آخر، للإبحار على مركب عتيق نحو مجاهيل القارات. فقراء معدمون أميون، جمعوا ما يكفي من أجرة السفر إلى أي مكان. القاسم المشترك؟ الهرب من الجور التركي. وبشير مجدلاني، في هذا اليوم بالذات، هارب على وجه الضبط، لأنه بلغ سن الجندية. لا يريد ذلك.
نقلت لجنابكم قبل فترة عن مجلة «نيويوركر» حكاية المحامي السوري الذي فرَّ عبر عشرة بلدان هربًا من الجندية في سوريا لأنه لا يريد أن يكون قاتلاً ولا قتيلاً. الألوف هربوا للسبب ذاته. والرئيس السوري بنفسه قال في خطابه الشهير إن الكثيرين من الشبان يتجنبون الالتحاق بالخدمة العسكرية.
من الفظاعة أن يكون الهرب أوائل القرن الماضي من الجندية التركية، وأن يكون بعد فترة هربًا من الجندية الوطنية. ولم يكن الهرب أيام الاستعمار التركي من الجندية وحدها، كما يروي والتر غريب، ولكن من الذل والاضطهاد والفقر والمجاعات.
والآن أيضًا. ولكن من يعرف ممن يفر السوري الآن على المراكب الغارقة؟ من براميل النظام أم من حكم «داعش» أم من الوقوع مصادفة بين ألف جهة من المتقاتلين؟ هاربو أوائل القرن الماضي كانوا أسعد حظًا. كانوا «مسافرين» لا لاجئين. وكانوا مهاجرين إلى حيث يبدأون حياة جديدة ولم يكونوا يقابَلون بالأسلاك الشائكة. وكانت مراكبهم تضل طرقها إلى بلدان أخرى، لكن موانئ اليونان لم تكن تشكو من أن مقابرها لم تعد تتسع لجثث الغرقى.