محمد مصطفى أبو شامة
كاتب وصحافي مصري
TT

الست ليلى.. وثرثرة فوق «التايمز»

تربعت على مقعد «الأستاذية» تعطيني ورفيقي المصري درسًا في قواعد الطعام اللبناني، وتمهد الطريق لـ«صحنها» الأهم «الكبة النية»، وبنبرة لا تخلو من القوة أوحت لكلينا أنّ مخالفة تعليماتها قد تقودنا للهاوية.
هكذا ظلت السيدة اللبنانية الأصيلة «الست ليلى» تشرح وتسوق أصناف الطعام وترتب جدولنا في التناول، فخورة بمطبخ بلادها فائق الجمال والروعة واللذة والمتعة، سخية في كرمها هي ومضيفتنا «سيدة الجبل» الجميلة والمهذبة. والتي حولت دعوتها الكريمة، ليلتي اللندنية الأخيرة إلى فرح لبناني ساهر، ومع أصناف الطعام الشهي المتراصة في نظام نموذجي بديع، صاحبته «الأرجيلة» والشاي «المنعنع»، تجلت الست ليلى وتألقت صديقتها وصديقتنا، فخرجنا أنا وصاحبي المصري نحفظ عن ظهر «بطن» الطريقة الصحيحة لتعاطي المذاق اللبناني والاستمتاع به.
لكني توقفت كثيرًا أمام صحن «الكبة النية»، بعد أن نفذت تعليمات «الست ليلى» وخلطتها بزيت الزيتون، وإن كنت لم أستطع الاستجابة لتعليماتها بضرورة تناولها مع كأس «العرق» لأسباب ليس هنا مجالها، وترددت بالطبع طويلاً قبل أن أتذوق هذا الصنف الغريب، فلم أتخيل يوما أنه سيكون مستساغًا لي أن آكل «لحمًا نيئًا»، لكن ها قد نجح معي لبنان في أن أستمتع بما ظننته مستحيلاً، وأحبّ ما توقعته مكروهًا وبغيضًا، وقد كان هذا أعظم دروس «ستنا» ليلى في هذه الليلة.
لا أجادل كثيرًا في تحيزي للمطبخ اللبناني، فهو طوق نجاتي في كل سفراتي خارج مصر، رغم أنني اضطررت كثيرًا لأن أخوض المغامرة المحلية، فأكلت الجمبري بالسكر في بكين مكرهًا، وكان هو ملاذي مع الأسماك بعيدًا عن غرائب المطبخ الصيني اللعين، وفي الرياض أحببت الكبسة السعودي وخصوصًا بالدجاج، وفشلت محاولاتي في التعامل مع أي من الأكلات المحلية الأخرى، بينما حاول أصدقائي في المملكتين السعودية والبريطانية أن يقنعاني بالمطبخ الهندي، لكني هربت منهم بأعجوبة.
وبقي سؤالي الأول في كل المدن التي زرتها، عن أقرب مطعم لبناني، وليس في الأمر سر أو دعاية، فكلنا يعرف مزايا وجمال هذا العالم الشهي من قائمة الطعام اللبنانية الشهيرة. لكن في هذه الليلة السعيدة شعرت أني أتذوقه للمرة الأولى، فالفارق كبير بين أكل البيت وأكل المطاعم، كما أن وجود مرشد وموجه يدلك على فنون الاستمتاع بالمذاق هو أمر بالغ الأهمية والندرة، لهذا جاء اللقاء مختلفًا وصادقًا وعفويًا ومؤثرًا.
عوضني هذا اللقاء «الصدفة» وهذه الدعوة «الشهية»، عن دعوة أخرى حرمني جدولي المضغوط في رحلتي الأخيرة إلى لندن، من تلبيتها، وكانت من مبدع فلسطيني وأستاذ مخضرم في مهنة الصحافة، وكانت بطلة الدعوة هي «الملوخية» بالدجاج أما مكان الدعوة فهو مطعم عربي يقدم هذا «الطبق» فقط يوم الأربعاء، حزنت لعدم تلبية الدعوة الكريمة، فقد كنت أتوقع أن يصاحب «الملوخية» حديث أدبي شهي بعيد عن «دجل» السياسة الذي أشقى أيامي اللندنية.
وللمفارقة فقد بدأت هذا المقال وكنت أنوي أن يكون عنوانه «ثرثرة فوق.. التايمز»، كانت فكرته تدور حول المعطيات الفكرية للحضارة العربية بعد إرهاصات التفكك الآيديولوجي وتأجج الصراع الديني، والذي كان محور حديث مطول استمر لست ساعات بيني وبين مواطن إنجليزي كان يقضي حاجته عند «جسر ويستمنستر» على ضفة النهر الإنجليزي الشهير المسمى «التايمز» أو «التيمز».
فلقد استوقفته رافضًا سلوكه شارحًا له أن هذا «غير لائق» وغير حضاري، وأن عليه أن ينزوي في مكان لا يلمحه فيه أحد، وقلت له بشرقية مفتخرة: «إذا بليتم فاستتروا»، لكن «جون» - وفق قاعدة مصرية تسمي كل إنجليزي جون - كان «ثملاً» وثرثارًا و«سخن» في رأسه «الدم الأزرق»، وتطوع هو ليعلمني معنى الحضارة، ودار النقاش وتفرع في موضوعات شتى، حتى فوجئت به يباغتني مازحًا ؟Where is Morsi، فانفجرت ضاحكًا وقلت له صائحًا: «مرسي اتهزم يا منز»، على طريقة الفنان الراحل سعيد صالح في «مدرسة المشاغبين»، فنظر إليّ مترددًا ثم ضحك وسألني: ؟Who are Mens، ثم سادت بيننا بعدها لحظة صمت، فكرت فيها أن ألقي عليه محاضرة عن الدور البريطاني «المشبوه» في ذرع بذور الفتنة الدينية في العقل العربي المسلم عقب انهيار الخلافة العثمانية أوائل القرن العشرين، وكيف أن حكومة بلاده ومندوبها السامي في بلادي قدما كل الدعم لجماعة الإخوان المسلمين عند تأسيسها.. وحتى اليوم، وكيف استغلت بريطانيا العظمى هذه الجماعة الصغيرة كمطية سيطرت بها على مشاعر المشرق العربي دينيًا وعقائديًا وساقته نحو الهلاك، قبل أن تسلمها لأميركا لتكمل الدور مع إفرازات هذه الجماعة من تنظيمات متطرفة وحارقة مرورًا بـ«القاعدة» وحتى «داعش». ويبدو أن جون أدرك ما يدور في ذهني فأكمل قضاء حاجته مستمتعًا وهو يغني بصوت «مجلجل» أغنية «تسلم الأيادي».
ما علاقة الست ليلى وطعامها اللذيذ بالسيد جون وثرثرته فوق التايمز؟
أترك لك عزيزي القارئ الخيال والتفسير، مع وعد بدعوة خاصة في أرقى مطعم لبناني لمن يصل إلى رابط أو علاقة؟!