بدأت تفيق بعض الشعوب من غفلتها بعد أن كانت تخيم عليها فكرة الاحتفاء بالشهادة الدراسية بوصفها معياراً أساسياً للتوظيف، حيث بدأت بلدان بالعودة تدريجياً إلى الفكرة العقلانية (منذ بدء الخليقة) وهي مدى «جدارتك» لهذا المنصب أو تلك الوظيفة الجديدة هو ما يؤهلك لنيلها وليس شهادتك فحسب. فاتجهت مؤسسات عديدة غربية وعربية إلى فكرة التأكد من وجود «جدارات» Competencies وليس «مهارات» skills فقط. فالجدارة هي قدرات متجذرة لدى المترشح للوظيفة تلفت نظر واستحسان مسؤوليه والقائمين على التوظيف. هذه الجدارات تظهر في المقابلات الشخصية وتراعى في التقييم السنوي.
المقصود بالجدارة صفات متأصلة في الإنسان تتشكل فيه طوال خبرته أو بسبب تحليه بالمعرفة والقدرات اللازمة التي ولّدت لديه جدارة لافتة. مثل من بزغ نجمه في حل المشكلات المستعصية، أو الإقناع، أو التحليل المالي، أو العلاقات الاجتماعية الجاذبة (كأن يحبه كل العملاء والمراجعين من أول تعامل) وهكذا. غير أن المهارات هي جزء من الجدارات. صحيح أن هناك تشابهاً بسيطاً بينهما إلا أن المهارة يمكن تعلمها في حين أن الجدارة مكتسبة وفطرية لكنها أشبه بأمر صار متجذراً في المرء ولا يختلف عليه اثنان، كقدرته الاحترافية على إدارة الحشود أو استقطاب المواهب أو التنظيم على نحو يصعب منافسته.
الجدارات تنقسم إلى فئات عدة تجتمع تحت 3 مظلات رئيسية: جدارات التعامل مع الآخر، وجدارات الحس التجاري، وجدارات إدارة الذات. فهناك من لديه مقدرة مذهلة على أن ينتج بسرعة هائلة توازي إنتاجية شخصين وبنفس الجودة إن لم يكن أفضل.
وقد عادت الجهات المعاصرة إلى الجدارات في المقابلات الوظيفية والوصف الوظيفي بعد استيعابها أنها تساعد في التنبؤ بأداء وظيفي أفضل ممن يتحلون بمهارات عادية. كما توصل علماء النفس إلى أن الشهادات الأكاديمية، والاختبارات المعرفية، واختبارات القبول، لم تفلح في التنبؤ بدقة بقوة اختيارات التوظيف مقارنة بالجدارات. وهذا يعكسه واقع الحال، إذ تجد شخصاً يحمل أعلى الشهادات لكنه غير مؤهل لإدارة قسم صغير لافتقاره لأبسط الجدارات القيادية والاجتماعية، ناهيك عن المهارات التقليدية.
وقد استوعبت الحكومة الأميركية الدرس، فوقع الرئيس ترمب في وقت سابق، قراراً تنفيذياً مهماً يقضي بتوجيه فروع الحكومة الفيدرالية للتركيز على المهارات أو الجدارات بدلاً من الشهادات في مناصب التعيين. وقالت ابنته إيفانكا التي تولت مهمة تطوير القوى العاملة، لوكالة الأنباء الأميركية: «نحن نعمل على تحديث التوظيف الفيدرالي، للحصول على مرشحين يتمتعون بالجدارات والمعرفة اللازمة، بدلاً من مجرد التوظيف بناء على الشهادة». وهذا لا يعني إلغاء شروط الحصول على الدرجة الوظيفية، لكن القرار يأتي في محاولة لإعطاء الأولوية للمهارات الوظيفة، بحيث تصبح الدرجة العلمية ذات أهمية أقل من المهارة أو الجدارة.
ولا أعتقد أن حكومات العالم نموذج يحتذى، ذلك أن المحك الحقيقي لاستغلال العنصر البشري يأتي عادة من ميادين القطاع الخاص. وهذا ما أكدته إيفانكا عندما قالت ما معناه إننا نحاول أن نقتفي أثر القطاع الخاص في اختيار العناصر البشرية الفاعلة.
الجدارات لم تعد ترفاً، بل هي حاجة ماسة بعد ترامي أطراف المؤسسات العامة والخاصة وتزايد أعداد البشر. ولا خير في جدارة لا تصب في صالح أهداف المؤسسة ورفعة صاحبها وتقدمه.
