كان يقضي يومه حزينا بين ذاته ولذاته، لا معنى للمتعة في حياته، كل الأشياء تؤدي إلى لا شيء، وكل البدايات تقوده إلى مشهد النهاية الذي يخشاه ويتمنى كل ليلة عدم مجيئه.
منحه التصوير الفوتوغرافي، فرصة الميلاد الجديد أو فرصة الهروب البعيد، وأصبحت كاميرا الموبايل أول طريقه لعشق هذا الفن المثير، فن التقاط اللحظة المدهشة، وتثبيت مشاعر البشر عند وهج إنساني لا يتكرر، وهج استثنائي يستحق الخلود في صورة.
تطورت كاميرا الموبايل إلى كاميرا (Nicon) العلامة التجارية المعروفة في جودة التصوير العالمية، وامتلأت حقيبة سيارته بإكسسوارات "المصور" المختلفة من حامل وعدسات، وملابس مخصصة لعشاق الكاميرا، تميزهم في رحلاتهم التي يستكشفون فيه ملامح العالم من حولهم ليسجلوها في لقطات الفوتوغرافيا.
ظل سنوات يمارس عشقه سرا بعيدا عن كل الأنظار يختلس اللحظات ويسرق اللقطات ويطور من أسلوبه وقدراته، وفق نظرية التجربة والخطأ، ثم شعر بحاجته إلى جرعات أكثر تطورا فانتظم في إحدى مراكز التدريب وأنضم باسم مستعار، كي لا يتعرف أحد على حقيقة مهنته التي ربما تسبب له حرجا، وتقف حاجزا بينه وبين البشر، فقد كان طموح التلميذ ورغبته في التعلم حافزا قويا لكي يفعل أي شيء وكل شيء، كي يتعرف على أسرار معشوقته الجديدة والوحيدة الكاميرا.
كان يقضي ليله وحيدا على الكمبيوتر يفرغ كل حصاد يومه من صور، يحذف ويعدل ويحتفظ يما يظنه أفضل ما أنتج، كان يكتب يومياته بالصور ويحفظها بتواريخها، ويستمتع كل مرة يراجع أرشيف الذكريات الذي بدأ يتعاظم وأحتاج لأكثر من ( Hard Disk ) كي يحميه من التلف ويضمن جودة التخزين.
عندما وضع الساعي صحف اليوم أمامه على المكتب، ثم جاورها بفنجان القهوة الفارغ ظل يراقب المشهد، والقهوة تنساب في أحضان الفنجان حتى أمتلأ عن آخره، وتعلقت النقطة الأخيرة في "كنكنة" القهوة حتى سقطت على صحيفة "الأهرام" مخلفة وراءها رسما مدهشا في تزاوج فني بين ورق الصحيفة وحبات البن التي "تخثرت" تجريديا، وهو ما دفعه ليخرج جواله مسرعا ليلتقط الصورة التي غيرت مسار حياته من بعدها.
ألتقط الصورة وظل يراقبها مندهشا بتكوينها، حتى صادفت عيناه وهو يتفحص خلفية صورته، إعلاناً عن مسابقة للتصوير ينظمها المغرب بالتنسيق مع إحدى الهيئات الثقافية العالمية، وقرأ تفاصيل الإعلان ثم التفت حوله يبحث عن الصحيفة حتى وجدها فاختطفها كأنه يدرك قدره، وظل يتأملها وبقعة البن قد جفت على الإعلان فطمست بعضه، فمسحها بيده ونظر إلي إصبعه وقد تلون باللون البني، فلعقه بطفولة وابتسم.. وبدأ يقرأ تفاصيل الإعلان!!
13:30 دقيقه
TT
مقدمة لشيء مجهول
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
