ليال أبو رحال
صحافية لبنانية
TT

غضب اللبنانيين.. افتراضي!

ينقلب مزاج اللبنانيين رأساً على عقب، بعد كل تفجير يضرب منطقة سكنية ما. تحفل صفحات مواقع "التواصل الاجتماعي" بتعليقات وتغريدات ممتعضة وغاضبة. لكن بعد ساعات قليلة، تعود الحياة الى طبيعتها وكأن شيئاً لم يحصل. كأن وطء التفجير مواز لحادث سير بسيط، يمكن أن يحدث كل يوم ويمكن أن يعتاده اللبنانيون ويتأقلمون معه.
يوميات غالبية اللبنانيين إثر وقوع التفجير تبدأ برسالة قصيرة عبر الهاتف من وسيلة اعلامية عن وقوع انفجار في منطقة ما. تتوالى بعدها الأخبار العاجلة، التي تصل تباعاً من مصادر عدة، رسائل قصيرة أو عبر خدمة "الواتس آب" واتصالات مطمئنة. تتسع رقعة الاطمئنان من أفراد العائلة الصغيرة مروراً بالكبيرة، وصولاً الى الأصدقاء والزملاء والمعارف الذين يعتقد المتصل أنهم قد يكونون موجودين لسبب ما في موقع التفجير.
بعد الاطمئنان، تكون مواقع التواصل الاجتماعي وجهة اللبنانيين الثانية. تتنوع التعليقات بين الوجدانية العاطفية أو الانفعالية التي لا تخلو من المزايدات أو المستنكرة المنددة، أو تلك التي يعكس كاتبها رغبته في الهجرة وترك البلد لمن يريده "ساحة تفجير".
من بين آلاف التعليقات اليوم، كتبت نانسي، مثلاً، وهي فتاة لبنانية عشرينية، على صفحتها الشخصية على موقع "فيس بوك" بعد وقوع التفجير المزدوج في الضاحية الجنوبية لبيروت: "انفجار السفارة الايرانية الأول وقع على بعد شارعين عني. انفجار اليوم على بعد شارع نزولاً. ليحفظني الله من الثالث". بعدها بخمس ساعات، علقت مجدداً: "كم مؤلم الوصول الى مرحلة تكون أمنيتنا فيها أن نموت شقفة واحدة".
وفيما اكتفت غالية بتعليق "انفجار" على صفحتها، سألت زينة وزير الصحة اللبناني وائل أبو فاعور إذا كانت وزارته، التي أعلنت معالجة الجرحى على نفقتها الخاصة، "ستتكفل أيضاً بالمعالجة النفسية للناس"، متابعة: "تعرفون أن ثمة من صرف من عمله بسبب عدم القدرة على دفع الرواتب. وآخرون هاجروا أو يفكرون في الهجرة، والبعض اذا قرر الخروج من منزله يتشهد الشهادة ويطلب من أهله السماح.. والبعض الآخر يعاني من مرض السكري من جراء تكرار الصدمات"، متسائلة: "ما وضع هؤلاء جميعاً"؟

وعدا عن المعلقين والمغردين الذين يصبحون أشبه بمحللين سياسيين، يحذرون حيناً من استمرار التفجيرات ويربطونها حيناً آخر بقتال حزب الله في سوريا، ويؤكدون التمسك بخياراتهم السياسية مهما تكررت التفجيرات، يبحث كثيرون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن ضحية يحولونها الى أيقونة "افتراضية". الشاب محمد الشعار الذي قتل في تفجير موكب الوزير السابق محمد شطح في وسط بيروت مثال. الشابة ملاك زهوي التي قضت في تفجير حارة حريك الأول مثال أيضاً. واليوم صور أطفال دار الأيتام الاسلامية، الواقعة قرب مكان التفجير الانتحاري المزدوج، وبثت وسائل الاعلام صور نقلهم من الدار مرعوبين ومذعورين.
ساعة أو ساعتان بعد دوي الانفجار، يتوقف اللبنانيون عن رصد شاشات التلفزة وتصفح المواقع الإلكترونية. يأسفون لوقوع ضحايا وللصور البشعة التي تنقلها وسائل الاعلام، يتكهنون ويتهكمون حول موعد الانفجار المقبل، ثم يعودون الى ممارسة أعمالهم ووظائفهم اليومية كما يفعلون في الأيام العادية. كأن شيئاً لم يحصل!