داود الفرحان
حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة بغداد عام 1968. نائب نقيب الصحافيين العراقيين لثلاث دورات، الأمين العام المساعد لاتحاد الصحافيين العرب. مدير «مركز المعلومات والبحوث» في وزارة الثقافة والإعلام العراقية. معاون المدير العام لوكالة الأنباء العراقية. المستشار الإعلامي للسفارة العراقية في القاهرة (1989 - 1990). كاتب عمود صحافي في الصحف العراقية منذ عام 1966، وكاتب عمود في مجلات: «المجلة» السعودية، و«الأهرام العربي»، و«الصدى» الإماراتية، و«اليمامة» السعودية، و«التضامن» اللندنية. رئيس تحرير صحف ومجلات عراقية أسبوعية عدة ومؤلف لعدد من الكتب.
TT

روسيا تشكر أميركا!

في الوقت الذي يتبادل فيه البيت الأبيض الأميركي والكرملين الروسي الاتهامات والتحذيرات والتهديدات بشأن الحرب الروسية في أوكرانيا والعقوبات الأميركية على روسيا، شكرت وكالة الفضاء الروسية في الأسبوع الأخير من العام الماضي وكالة «ناسا» الأميركية على مساعدتها وتعاونها لإنقاذ رواد فضاء روس عالقين في محطة الفضاء الدولية على ارتفاع 400 كيلومتر فوق الأرض. وقال نيل نيلسون مدير «ناسا» السابق، إن هناك حاجة إلى استمرار التعاون بين البلدين والعلاقات المهنية لإبقاء محطة الفضاء الدولية على قيد الحياة، وهي تدور حول الأرض 16 مرة في اليوم.
وفي المقابل تعهدت الولايات المتحدة باستمرار التعاون، ووقّع الرئيس الأميركي جو بايدن قبل أشهر قليلة على قانون من شأنه أن يمدد مشاركة «ناسا» في المحطة الدولية لمدة 6 سنوات، أو حتى نهاية عام 2030. وصرح علماء من الجانبين بأن الجدل السياسي حول الحرب الأوكرانية كانت له أصداء في الفضاء قد تؤدي إلى انسحاب روسيا من المحطة الدولية. وقال رواد فضاء أميركيون وروس: «لا أحد يفهم ماذا يحدث في أوكرانيا بالضبط!»، وفي الوقت نفسه تعاني المحطة الدولية من مشكلات فنية يتعاون الطرفان لحلها سريعاً مع اليابان والاتحاد الأوروبي، باعتبار أن المحطة تقدم خدماتها للأرض كلها وليس لموسكو وواشنطن فقط.
هل يستطيع الفضاء البعيد وقف الحرب الروسية - الأوكرانية قبل دخول عامها الثاني، بعد فشل محاولات وقف إطلاق النار والصواريخ والقنابل بين البلدين عن طريق الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الصين أو الهند أو فرنسا، أو إجراء حوار مباشر بين الرئيسين الروسي بوتين والأوكراني زيلينسكي؟ علماً أن التعاون الأميركي - الروسي لم يتوقف في أبحاث ومهمات الفضاء رغم توتر الحرب على أوكرانيا. وأشاد رائد الفضاء الأميركي مارك فاندي، وهو على متن محطة الفضاء الدولية، بالعمل الأميركي - الروسي المشترك: «لقد دعمنا بعضنا في كل شيء، ولاحظت أن رواد الفضاء الروس محترفون جداً، ويتمتعون بالكفاءة».
وأكثر من ذلك، انطلق صاروخ من مركز كيندي في فلوريدا في الولايات المتحدة إلى مدار حول الأرض قبل ثلاثة أشهر، وهو يحمل طاقماً سيبقى فترة طويلة في محطة الفضاء الدولية، ويضم رائدة فضاء روسية وراكبين أميركيين ورابعاً يابانياً. وقال مسؤول بارز في وكالة الفضاء الروسية بعد إطلاق الصاروخ، إن الرحلة تشكل «مرحلة جديدة من التعاون مع وكالة (ناسا)». واسم رائدة الفضاء الروسية هو أنا كيكينا (38 عاماً)، وهي الرائدة الوحيدة العاملة الآن في مركز الفضاء الروسي، لتكون أول روسية تنطلق في رحلة فضاء من أرض أميركية خلال العقدين الأخيرين.
وقال مسؤول أميركي، إن تعرض المركبات الفضائية إلى خلل في الفضاء متوقع، لكنه ليس شائعاً، وفي هذه الحالات الحرجة يتم إرسال مركبة صيانة من الأرض من دون التوقف عند جنسية المركبة. وفي العادة يتم تدريب رواد الفضاء على إصلاح أي خلل فني، سواء آلي أو برمجي، بالتشاور مع غرفة الصيانة الأرضية. وفي الحالات العسيرة يتم إرسال مركبة احتياط تنقذ الرواد بعد ترك الكبسولة العاطلة تواجه مصيرها النهائي.
وبعيداً عن أي حساسيات سياسية، فإن وكالتي الفضاء الروسية والأميركية تتعاونان، سواء عن طريق إطلاق مركبة احتياط لإعادة الرواد إلى الأرض سالمين، أو صيانة المركبة العاطلة، وفي معظم هذه الحالات يتم إلغاء مهمة المركبة حفاظاً على أرواح الرواد. وقد أنتجت «هوليوود» عدة أفلام سينمائية مشوقة عن تعطل مركبات الفضاء أو اصطدامها ببقايا مركبات مهجورة، أو مقتل بعض الرواد، أو فقدانهم في الفضاء الفسيح. ومن هذه الأفلام «الجاذبية» (Gravity)، وهو ثلاثي الأبعاد كتب قصته جوناس كوارون، وأخرجه والده الفونسو كوارون، وهما مكسيكيان، ومن بطولة جورج كلوني وساندرا بولوك، وتم إنتاجه في عام 2013. ويعتبر الفيلم باهظ التكاليف التي وصلت إلى ثمانين مليون دولار، ونال الفيلم سبع جوائز «أوسكار» في عام 2014.
وفي عصرنا صار إطلاق المركبات الفضائية ورواد فضاء دليلاً لا يقبل الشك على تقدم البلد المعنيّ، وتفوقه العلمي والإلكتروني والصناعي والفضائي... وحتى العسكري. وأنا أفتخر لأني مشيت أمام أحد الأبواب الرئيسية لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» ذات يوم من عام 1978! ومن يدري، ربما لو فتحوا لي الباب لكنت اليوم مراسلاً فضائياً لجريدة «الشرق الأوسط»!
نعود إلى صُلب الموضوع: هل تحدث المعجزة ويتفق الرئيسان الروسي والأميركي، ومعهما الرئيس الأوكراني، على غلق ملف الحرب وفتح ملف السلام في الفضاء وليس في جبهات الحرب؟
وثمة خسارة فضائية جديدة ترتبط بوكالة «ناسا»؛ إذ إنها بعد أربع سنوات من وصول المركبة «إنسايت» - وتعني «البصيرة» - إلى سطح المريخ، اتخذت إدارتها قراراً بإحالة المركبة إلى التقاعد بعد انتهاء مهمتها في دراسة الأجزاء العميقة للكوكب الأحمر، وعدم قدرتها على التواصل مع الوكالة بسبب التراكمات الثقيلة من الغبار على ألواحها الشمسية، مما أدى إلى توقف آلياتها المصممة لرصد اهتزازات الزلازل على الكوكب، إلا أنها نجحت في رصد فهم جديد للقشرة الخارجية للمريخ، والتأكد من أنه نشِط في الزلازل، ولا توجد أي آثار للحياة على سطحه. ومع ذلك، فإن المركبات الذاتية القيادة والتواصل ستستمر في زيارة المريخ وتقديم دراسات عن المعادن المريخية في الكوكب غير الجذاب، بعكس القمر.
ويسجل تاريخ المركبات الفضائية خلال الأربعين عاماً الأخيرة حدوث كوارث فضائية عديدة، من بينها هذه الحوادث: أسفرت أول كارثة عن مقتل 18 رائد فضاء، ونحو 12 شخصاً آخرين قُتلوا خلال التدريبات والاختبارات الدقيقة. وفي مارس (آذار) 1961 قبل رحلات المركبات المأهولة إلى الفضاء بشهر واحد، فقد أول رائد فضاء حياته، وهو سوفياتي الجنسية، تُوفي محترقاً خلال تجاربه.
وفي العام نفسه أدى عطل في كبسولة الفضاء «ليبرتي بيل 7» الأميركية إلى غرقها في المحيط الأطلسي، إلا أن قائدها نجا من الموت. وفي مارس 1965 خلال أول تجربة للسير في الفضاء الخارجي، انتفخت بدلة رائد الفضاء السوفياتي الكسي ليونوف إلى درجة أنه لم يتمكن من العودة إلى المركبة. وفي يناير (كانون الثاني) 1967 قُتل طاقم المركبة الأميركية «أبولو 7» الثلاثة أثناء التدريب على الإقلاع لرحلة فضائية. وفي العام نفسه قُتل رائد فضاء سوفياتي قائد مركبة «سويوز 1» عندما تحطمت غرفة القيادة أثناء ارتطامها بالأرض بعد أن فشل في إطلاق المظلة خلال الهبوط. وفي عام 1971 تُوفي ثلاثة رواد فضاء سوفيات في المركبة «سويوز 11» بسبب الاختناق وانعدام الأكسجين لوجود خلل في الصمام. وشهد عام 1986 أكبر كارثة فضائية عندما انفجر مكوك الفضاء الأميركي «تشالنجر» بعد 37 ثانية من انطلاقه، وقُتل سبعة رواد فضاء أميركيين، بينهم سيدة واحدة.
وأخيراً، في فبراير (شباط) 2003 قُتل سبعة رواد فضاء، بينهم إسرائيلي، في تحطم مكوك الفضاء «كولومبيا» بعد عودته من الفضاء ودخوله المجال الجوي للأرض.
والآن، هل يتيح الفضاء فرصاً أفضل لسكان الأرض للعيش بسلام ووئام؟