جوليا كوك
TT

العنف الأسري في أميركا... قتل ودم وتداعيات خطيرة

في صبيحة يوم بارد من أيام أكتوبر (تشرين الأول)، عُثر على كولن كانهام وزوجته سارة إيمريك ميتَيْن في جريمة قتل أعقبها انتحار على ما يبدو. تم العثور على السيد كانهام ملقى بالقرب من سلاح ناري خارج منزل الزوجين. السيدة إيميريك كانت بالداخل، وقد أخبرني أحد المحققين أنه يبدو أن السيد كانهام قد ارتكب جريمة عاطفية، وهو مصطلح قانوني ينطوي على عدم وجود سبق إصرار، وهو فعل يُفترض أنه ناجم عن مشاكل تتعلق بالحب والإخلاص.
التقيتُ به للمرة الأولى عندما كنا في العشرينات من عمرنا. ورغم أننا كنا ضمن نفس مجموعة الأصدقاء، فإننا لم نكن قريبين من بعضنا بدرجة كبيرة. أعلم أنه صديق اجتماعي وكريم؛ فكثيراً ما رأيته ينقل الأرائك لأصدقائه ويساعد في شي اللحم المقدد خلال الاحتفالات، وشأن غالبيتنا كان يشرب الخمر. كان أيضاً يهوى النجارة، حيث اقترح عليّ ذات مرة عندما دعوت بعض الأصدقاء للقاء في شقتي أن أضع سقفاً مزركشاً في سقف الصالة، وعرض مساعدتي في الشراء وفي القطع والتثبيت.
غير أن التواصل انقطع بيننا بدرجة كبيرة عندما قاربنا على نهاية الثلاثينات من عمرنا، لكن الخبر الأخير جاء ليحيي الذكريات القديمة. وتساءل أولئك الذين كانوا على مقربة من كانهام عن التغير الذي طرأ عليه بفعل الزمن، وتمنوا لو كانوا على عِلم بأحواله في الفترة الأخيرة، بينما نشر آخرون صوراً له في الحفلات.
بدت فكرة أنه ربما قتل السيدة إيميريك (التي لم أقابلها قط) غير واردة بالنسبة لي. لكن في السنوات القليلة الماضية، أخبرني أحد المحققين أنها اتصلت بالشرطة عدة مرات من المنزل الذي تقاسماه بالقرب من خليج «كيب كود»، غير أن الشرطة لم تعتقله.
بعد وقوع الحادثة، لم يستطع أي من أصدقائي تسمية ما حدث باسمه الصحيح. لكن أحد الأصدقاء من الدائرة المقربة من السيدة إيميريك أشار إلى أن العلاقة بينهما كان يشوبها قدر من التوتر والاستياء، لا سيما من قبل السيدة إيميريك، وهو الوصف المخفّف لما انتهى إليه الأمر. وما غاب عن الحديث كانت اللغة التي تصف بوضوح الجريمة التي ارتكبها الرجل بأنها «قتل» أو «إطلاق نار» أو «عنف منزلي» أو حتى «جريمة». لذلك، فإن الكلمات المستخدمة شابها كثير من الغموض.
ربما أراد أصدقاء السيد كانهام المقربون، وبعضهم من أصدقائي أيضاً، أن يحتفظوا بذكريات دافئة وغير ملوثة عن صديقهم. لكن النهاية المروعة، بحسب ما تشير إليه كل الدلائل، جعلت من الصعب التصالح مع رجل فعل كل هذا.
بحسب تقرير صدر عن «مركز سياسة العنف» عام 2021، فإن النساء اللواتي قُتِلن على يد مجرم في الولايات المتحدة من المرجح أنهن قُتِلن على يد شريك رومانسي حالي أو سابق، لا على يد شخص غريب. ووجدت دراسة استقصائية أجراها خط ساخن للعنف المنزلي أن 40 في المائة من الناجيات من عنف الشريك الحميم اللاتي لم يتصلن بالشرطة لم يكنّ على يقين من أن ما حدث لهن يمثل جريمة؛ فغالباً ما يعمد المعتدون إلى التلاعب والتخفي خلف واجهات تنم عن الشجاعة والثقة بالنفس.
اختيار الكلمة له تأثير عميق للدلالة على ما نفكر فيه لأنفسنا ولبعضنا البعض؛ فمصطلحات مثل «جريمة عاطفية» يمكن أن تشير إلى أن العنف هو نتيجة للحب، والحديث عن العنف هنا يمكن أن يجعلك تشك في أنه سيحدث بالفعل أو أنه سيتكرر مرة أخرى؛ فالصمت يعزز ضمنياً الاعتقاد القديم بأن الضحية هي على الأقل مسؤولة جزئياً عن سوء معاملتها بصمتها، وأن أم الضحية أيضاً كان عليها أن تتوقع أن جريمة قد أوشكت على الحدوث لابنتها.
حدث مرة أن سألت مقدمة البرامج، غايل كينغ، المغنية إف كي إيه تويغز عن الدعوى التي أقامتها ضد صديقها السابق، شيا لابويف، بسبب التعدي عليها، قائلة: «لماذا لم تغادري البيت؟». أجابت بأدب: «يجب أن يكون السؤال للمسيء: (لماذا احتجزتَ شخصاً رهينة؟)».
وفي جريمة منفصلة، وصفت والدة غابي بيتيتو (ضحية أميركية قُتلت على يد خطيبها)، خطيب ابنتها وقاتلها بـ«الرجل اللطيف».
ما يحدث داخل إطار الزواج شيء خاص، لكن العنف الذي يمارسه الشريك الحميم وباء له عواقب اجتماعية بعيدة المدى؛ فهذا النوع من العنف يسبب التشرد، ويرتبط بارتفاع معدلات الانتحار، ويشكل خلفية لغالبية عمليات إطلاق النار الجماعي.
للعنف الأسري تكاليف اقتصادية كبيرة: قدرت دراسة أُجريت عام 2018 أن عنف الشريك الحميم يكلف ما يقرب من 3.6 تريليون دولار على مدى حياة 43 مليون بالغ أميركي لديهم تاريخ من الإيذاء. وتتحمل مصادر حكومية كثيراً من هذا العبء (التكاليف الطبية وأعمال العدالة الجنائية وغير ذلك)، وجاءت جائحة «كوفيد» لتزيد الأمور سوءاً.
ثم هناك أهم الإخفاقات العامة التي ساهمت في موت السيدة إيمريك، وأبرزها نظام قانوني تنقصه الجاهزية للتعامل مع التعقيدات العاطفية للعنف المنزلي، ولا يمكن معالجته بلغة تعامل القضية على أنها أمر خاص يحدث داخل جدران البيت؛ فكثير من الضحايا يخشون الاتصال بالشرطة لقلقهم من أن يطالهم الشك أو يُلقى عليهم اللوم؛ إذ يشعر غالبية مَن يقدمون على الاتصال بالندم على الاتصال.
في حفل تأبين عبر الإنترنت، أشارت صديقة للسيدة إيمريك إلى أنها أعربت في عام 2020 عن قلقها من زوجها. اتصلت الضحية بالشرطة قبل يومين من مقتلها، وذكرت أن زوجها كان مخموراً ويحاول الدخول إلى المنزل بالقوة، غير أنها لم تطلب الحماية، بحسب المحقق، واكتفت بطلب الطلاق. لكنها قُتلت قبل أن تُتاح لها الفرصة للمغادرة.