مثل كثير من أبناء جيل الألفية، كنت من مثقفي الإنترنت، إذا كانت هذه هي الكلمة المناسبة لذلك. لم يُقدمني نقاد الموسيقى على الإنترنت والمدونون المناهضون للحرب في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، والذين كانوا أساتذتي، إلى تي. إس. إليوت، لكنهم تأكدوا من أنه كانت لي آراء مُفصلة بصورة مقبولة حول فيلم «أبوكاليبس ناو ريدوكس»، وهو النسخة المحدثة لعام 2001 من فيلم الحرب الكلاسيكي من إخراج فرنسيس فورد كوبولا. ما يعني أنني سمعت قصيدة إليوت «الرجال الخاوون»، التي يُظهرها الفيلم في قراءة مبالغ فيها (وفي الإجمال، فعالة إلى حد ما) من أداء مارلون براندو.
بعد فترة قصيرة، وجدت نسخة من طبعة هاركورت القديمة من «القصائد المجمعة» لإليوت في المكتبة.
«الرجال الخاوون» واثنتا عشرة قصيدة أخرى ألزمت أنفسها موضعاً في ذاكرتي من دون جهد يُذكر، حيث لزمت مكانها مستقرة منذ ذلك الحين. في تلك الأيام، ولأسباب لم أستطع فهمها (ولن أرغب في فهمها حتى الآن، خشية تلاشي السحر)، بدا أن القصائد تمتلك قوة غير تقليدية. وأذكر بوضوح جلوسي في الجزء الخلفي من الحافلة المدرسية وأكرر، كمثل الترنيمة، الأسطر التالية من قصيدة «الأرض اليباب»:
«ما هذه الجذور المتشبثة بالأرض،
وأي أغصان تنمو،
من هذه النفايات الحجرية؟»
لو سألتني حينها، لكنت تخيلت أن الذكرى المئوية لقصيدة «الأرض اليباب» - التي نُشرت في كتاب منذ 100 عام مضت في مثل هذا الشهر - ستكون مَهمة كبيرة. لا أعرف بالضبط ما الذي كنت أتصوره (استعراضات؟ مراسيم رئاسية؟ تمثال بحجم أبو الهول لإليوت أقيم في مكان ما في الصحراء الأميركية الكبرى؟). ولكن هذه الذكرى كانت لتصبح أكثر سخاء من الذكرى الهادئة التي قدمتها حفنة من المنشورات الحديثة الصادرة عن المطابع الجامعية والتجارية، والتي كان أكثرها تجسداً صورة طبق الأصل من مسودات «الأرض اليباب» الأصلية مع الملاحظات التحريرية الخفية والمميزة لعيزرا باوند (المسترسلة للغاية).
ورغم تواضع الاحتفالات، فأنا على يقين من أنه في غضون مائة عام لن تكون هناك قصيدة تكون الذكرى المئوية لقرضها موضع احتفال مماثلاً. هذا يبدو صحيحاً بالنسبة لي؛ لسبب بسيط وهو أن الشعر قد مات. وفي الواقع، إنها ميتة جزئياً لأن إليوت ساعد في وأدها.
بالطبع الشعر ليس ميتاً حرفياً. ربما لم يكن هناك من الشعراء الممارسين أكثر مما هو عليه الوضع اليوم - خريجو برامج ماجستير الفنون الجميلة الذين يعملون أساتذة في برامج ماجستير الفنون الجميلة - وأراهن على أن إجمالي معدل نصيب الفرد من الكتب القصصية الصغيرة هو أعلى من أي وقت مضى. لكن الحالة المعاصرة ليست بالضبط ما يدور في خلد المرء عندما يقول إن الشعر حي وبصحة جيدة - في مقابل، على سبيل المثال، نسخة فاخرة من أجهزة دعم الحياة.
أنا بالكاد أول شخص يقترح أن الشعر قد فارق الحياة. غير أن تقارير التشريح لم تكن قط قاطعة بشأن سبب الوفاة. سمعنا من المحافظين الثقافيين أن الشعر مات لأننا، لأسباب سياسية، توقفنا عن تدريس الأنواع الصحيحة من القصائد، أو تعليمها بالأسلوب السليم... (كانت هذه نظرة الناقد هارولد بلوم إلى حد ما، الذي حمّل ما سماه «مدرسة الاستياء» المسؤولية عن الانحدار في المعايير الجمالية).
من بين الحجج الأخرى، أن شعراء الحداثة من ذوي المكانة الرفيعة وأتباعهم أنتجوا أعمالاً بالغة الصعوبة إلى الحد الذي جعل ميثاق الوصل الضمني بين الفنان والجمهور مفككاً على نحو لا رجعة فيه. ومن الصعب بكل تأكيد أن نتخيل كثيراً من الأسر في الضواحي، التي كانت ذات يوم تحتوي على المختارات الشعبية الشهيرة من أمثال: «أفضل القصائد المحببة للشعب الأميركي»، تجد مكاناً على الرف مقابل المال (يقول باسيل: «نسمي كل الأجانب فرنسيين، ثم تكسرت البيضة في جيب كابرانيز، وبهذا تصنع التاريخ»).
ربما كانت هذه الحجج صادقة بعض الشيء. لكن المشكلة تبدو لي أكثر جوهرية؛ إننا توقفنا عن كتابة الشعر الجيد لأننا غير قادرين على ذلك الآن. والجاني ليس التربية الرديئة، أو التجريب الرسمي، بل بالأحرى هي أحوال الحياة العصرية عينها، التي ثبطت عزيمتنا وعزلتنا عن العالم الطبيعي.
واسمحوا لي، على سبيل المجادلة، باقتباس متوسط المقدار. فيما يلي سطور - ليست جديرة بالتذكر أو أنها مميزة بصفة خاصة، ولكنها مقبولة وربما مفيدة بما فيه الكفاية - منتقاة عشوائياً من المجلد الثاني من «القصائد الصغيرة» لروبرت ساوذي (1823):
آي تشارلز! كنت أعرف أن هذا سوف يُكرم عينيك،
هذه الكرمة المعترشة المنجدلة حول الشرفة المتحطمة،
أوراقها ذبلت لتوها، إلا زهرة خريفية واحدة،
لا تزال ريانة وعطرة، وهذه الخطمية الغضة،
تلك التي عبر الأعشاب الزاحفة والقراص الطويل،
تقارن بالأطوال رافعة عمود جذعها إلى السماء،
ساطعة مشرقة مع أزهار الورد المنتشرة في الأجواء.
اعترفوا بذلك: عيناك، اللتان حتى الآن لم تُصلحا، بدأتا بالفعل في اللمعان. كم من الأميركيين يعرفون حتى ما «الكرمة المعترشة»؟ وبمحض التخمين المطلق قد يستنتج المرء أن روبرت ساوذي كان يعني نوعاً من النباتات الزاحفة القبيحة. ولكن ماذا عن كل هذا الكلام حول نبات «الخطمية»، بنفسها أو ما يقرب منها؟ هل جذوع ساقها بيضاء اللون؟ وحيث إن معظمنا معتاد على تَصَفُّح النص، نجد أنفسنا نتساءل بشكل غير مفهوم عن وجهة نظر ساوذي.
هذا لا يعني أن الشعر من المفترض أن يكون نسخة نصية من التصوير الفوتوغرافي للطبيعة أو المعادل الإيقاعي «المُقفى» للوصف الصوتي لدى المكفوفين. غير أن العلاقة بين الطبيعة والشعر أساسية وجوهرية. («فالطبيعة»، كما وصفها الناقد نورثروب فراي، «متغلغلة في الفن كمحتواه، وليست منفصلة خارجه كنموذج له»).
وعندما وصف جون ملتون الأجساد الهابطة للملائكة - «سميكة كأوراق خريفية تتناثر حول الجداول في فالومبروسا» - كان يستعير صورة من دانتي، وفرجيل، وهوميروس، وجميعهم استخدموا ذرف الأوراق كمثال لسقوط الأجساد. وحتى بعد فقدانه لبصره، كان عالم ملتون، كعالم أسلافه، مليئاً بمثل هذه الصور. كان عالماً طبيعياً حياً مع تنويهات لما هو غامض أو فائق أو متسامٍ، والتي يمكن استحضارها، وتشخيصها، وتصفيتها من خلال التجربة الذاتية للشخص.
لكن الحياة الحديثة، التي حررها العلم من الخرافة وتوسطت فيها التقنية، جعلت هذا الصنف من العلاقة مع العالم الطبيعي أمراً مُحالاً، حتى وإن كنا علماء نباتات نابهين أو متجولين فطنين. في غياب القدرة على رؤية الطبيعة بهذه الطريقة - كمثل مسكن لقوى غير مرئية، تعج بصور تُستدعى وتتحول، على النقيض من كتلة غير متمايزة من الموارد التي إما أن تُستغل أو يُحافظ عليها - من غير المحتمل أن نبحث عن تلك الصور في أعمال هوميروس أو فيرجيل، والأقل احتمالاً أن نحاول خلق هذه الصور بأنفسنا.
لكن من المؤكد، كما تحتج، أنه يمكننا قرض القصائد حول أشياء أخرى غير الزهور، والنحل، وحليب الماعز البري... قصائد لا تنفصل فقط عن الأحكام الراسخة للكلاسيكيات اليونانية واللاتينية، وإنما تنفصل أيضاً عن النُهُوج التصورية الأساسية الشائعة في كل الأشعار المؤلفة قبل القرن الماضي. يمكننا أن نقرض قصيدة، إن لم تكن عن النظام المتسامي المحسوس في الكون، فربما عن مشاعر القلق والانزعاج داخل أنفسنا، كما يمكننا حتى استمداد صورنا من فتات الحضارة الاستهلاكية - من قارورة بلاستيكية فارغة، أو هاتف آيفون بشاشة مكسورة!
7:53 دقيقه
TT
بعيداً عن هوس السياسة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
