«السوشيال ميديا»... ووقار الزعماء

«السوشيال ميديا»... ووقار الزعماء

الاثنين - 11 جمادى الأولى 1444 هـ - 05 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16078]

كم هو محظوظ كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية «المحبوب»؛ فربما يكون القائد السياسي الوحيد في عالمنا اليوم الذي يمتلك السلطة والصلاحيات الكاملة لتصميم صورته والتحكم فيها، بينما ينهمك قادة وزعماء آخرون، ليلاً ونهاراً، في محاولات - تفشل عادة - لإدراك صورتهم، ومحاولة حمايتها من العبث والاختراق.
وفي الأسبوع الماضي، ظهر في الأنباء والصور، التي كان مصدرها واحداً لا يتغير؛ أي وكالة الأنباء الكورية الشمالية المركزية، وإلى جانبه ابنته، التي تم تقديمها مصحوبة بوصفين لا ثالث لهما؛ أولهما «الابنة المحبوبة»، وثانيهما «الابنة الغالية المحترمة».
أما هذا التحكم المُحكم والفعال، فلا يتعلق بالصورة في شكلها الفوتوغرافي أو كما ينقلها «الفيديو»، لكنه يتخطى ذلك إلى الصورة بوصفها انطباعاً ذهنياً، تُشكله جملة من الأوصاف، التي تتكرس بالإلحاح والتكرار.
وفي هذا الصدد تحديداً، سيقف الرئيس الأميركي جو بايدن على الجهة المقابلة تماماً؛ إذ تتعرض صورته في إطاريها المادي والمعنوي لهجمات لا تنقطع، وسيكون معظم هذه الهجمات من مصدر واحد تقريباً، سيتجسد في «السوشيال ميديا» بطاقتها الفريدة وديناميكياتها الفائقة.
ففي الأسبوع الماضي نفسه، كانت صورة بايدن على تلك الوسائط تراوح ما بين «التائه فاقد السيطرة»، كما ظهرت في لقائه مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو «الفاسد» المُتستر على «الجرائم»، كما سيقول إيلون ماسك، الذي أنفق 44 مليار دولار أميركي، لكي يحتل ناصية فريدة في طريق الوسائط المُهيمنة.
ستجتهد مراكز التفكير، ووسائل الإعلام «التقليدية»، ومثقفون وإعلاميون وساسة، للإصرار على أن كيم جونغ أون «زعيم أوتوقراطي، ومُستبد، وفاشل»، ومع ذلك فإن الوسائط الجديدة لن تكون قادرة على مس هيبته؛ إذ تعوزها الموارد. وفي المقابل ستتحالف البُنى التقليدية مجتمعة للتأكيد على أن بايدن زعيم «ديمقراطي مُنتخب، يحترم الدستور، وينصاع للقانون»، لكن الوسائط الجديدة ستنهش هيبته بلا رحمة.
كان نيقولا مكيافيلي هو من وجَه في رسالته المُهمة «الأمير»، خلال القرن السادس عشر، نصيحة للقائد السياسي؛ مفادها أن عليه أن «يُقلد سلوك الرجال العظماء»، وحين توجب على هذا المفكر السياسي المثير للجدل أن ينصح القائد فيما يخص الاختيار بين مشاعر الحب أو الهيبة لدى المحكومين، لم يتوانَ في النصح بضرورة تفضيل الهيبة.
أدرك هتلر «جدوى» هذه النصيحة مبكراً، وفي عشرينيات القرن الماضي، أخذ يتدرب أمام المرآة على الإلقاء وبث الإلهام والسحر في الجماهير المُنتشية، وعندما راق له أداؤه، أمر مصوره هاينريش هوفمان بأن يلتقط له المئات من الصور، وأن يوزّعها، لتكرس عظمة الزعيم وهيبته. ولقد نجح بامتياز في أن يحافظ على الصورة ناصعة ومُلهمة ضمن نطاق سيادته الإعلامية، وهو الأمر الذي كلّف البشرية عديد السنوات من الدمار والحرب والتشريد والمآسي.
خطفت «السوشيال ميديا» سلطة التقييم التاريخي للزعماء والقادة من الوسائط التقليدية والمؤسسات، وراحت توزعها على مئات الملايين من المتفاعلين، الذين أضحى كل واحد منهم وكالة أنباء تضارع تلك التي يُهيمن عليها زعيم كوريا الشمالية، ويُسخرها لحماية صورته وصيانتها من تجرؤ النُخب والعوام. وفي غيبة رؤساء التحرير، وحرّاس البوابات الإعلامية، ستتداول ملايين «وكالات الأنباء البديلة» صور الزعيم الذي قُذف بالبيض الفاسد بين حرس الشرف والمسؤولين، أو صورة الرئيس الذي يصفعه شاب غاضب، أو القائد الذي يتلعثم عند نطق الكلمات المكتوبة في خطابه الرسمي.
لقد فقد القادة قدرتهم على التحكم في مسارات صورهم، ومع ذلك فقدوا أيضاً فرصتهم في تكريس الهيبة وصيانتها، بعدما تحوّل النسق الاتصالي العالمي من صيغته المركزية الخاضعة للتحكم إلى صيغة مُنفلتة لا تعرف سلطة أو ضبطاً أو امتثالاً لمعيار.
ما فعلته تلك الوسائط الجديدة أنها لم توفر وقاراً لزعيم، ولا حصافة لفكرة، ولم تحفظ مناعة لمبدأ. ورغم ما انطوى عليه ذلك من إفساح الطريق أمام مقاربات أكثر عقلانية وتوازناً وتسامحاً وفهماً لطبيعة القائد بوصفه بشراً يخطئ ويصيب وربما يُهان، فإنها أيضاً زعزعت اليقين في فكرة الزعامة، وهزت الثقة في مؤسسة القيادة.
القادة المعاصرون، في الديمقراطيات والديكتاتوريات، أقل حظاً من أسلافهم، الذين كان بوسعهم أن يتحكّموا في صورتهم بالشكل الذي يحفظ هيبتها ويُكسبها الاحترام، مهما كان حجم ما استولى عليهم من بؤس وضعف أو عوار.
سيكون لهذا التغير الفارق تأثير كبير على صورة القادة ومكانة المؤسسات، ورغم أنه قد يُحَجم نقائص السلطة المُطلقة والارتهان لمثالب الزعيم الفرد، فإنه ربما يُطيح مع ذلك بالقدرة على الضبط وإدراك الثقة اللازمة لضمان الامتثال.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو