أحمد محمود عجاج
TT

الميزانية المالية البريطانية: انتصار دولة الديون على دولة الضريبة

أعلن وزير المالية البريطاني جيريمي هنت، يوم الخميس الماضي، ميزانيته وكانت، كما هو متوقع، منسجمة تماماً مع تمنيات السوق، ومتناقضة تماماً مع تمنيات المواطن؛ وسوّق وزير المال، ورئيس الوزراء ريشي سوناك، الميزانية بأنها ضرورية لتخليص البلاد من أزمتها الاقتصادية، وأنها استجابة فعلية لكسب ثقة السوق. لم تنفعل سلباً السوق، كما حدث مع ميزانية حكومة ليز تراس، بل تلقت الخبر بحبور، ولم تهبط السندات، ولم يتراجع الجنيه، إنما ازدادت بالمقابل الضرائب على المواطنين، وتقلّصت النفقات على الخدمات العامة لتغطية عجز يبلغ خمسين مليار جنيه إسترليني. لم تعترض المعارضة على الميزانية (الاستجابة للسوق) بل على عجز حزب المحافظين، وأبرزت عدم الوثوق به لإدارة الاقتصاد، وتجاهلت جوهر الأزمة وتداعياتها على الديمقراطية، وعلى مستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن؛ السبب أنها تؤمن بالسوق ومطالب السوق.
عندما نتحدث عن دولة الضريبة نقصد بها أن المواطن يدفع للدولة مالاً من نتاجه الاقتصادي لكي تضمن له الخدمات العامة، ومعيشته، وحماية حقوقه الاجتماعية؛ هذه العلاقة هي التي تنسج عقداً اجتماعياً بين المواطن والدولة ممثلة بالحكومة وعلى ضوئها ينتخب المواطن من يراه أهلاً لضمان تلك الحقوق ويكون قادراً على إدارة نفقات الدولة ومنع وقوعها في العجز المالي بسبب اختلال العلاقة بين النفقات والواردات. المشكلة بدأت مع اعتماد الدولة النظرية النيوليبرالية القائلة بتقليص دور الدولة في الحياة العامة والاقتصاد، والتوجه إلى منطق السوق عبر فك الارتباط بين الدولة والمواطن، وتشبيك العلاقة مع السوق؛ وقد نتج عن ذلك تفكيك الحكومة القيود المفروضة على السوق، وتحرير قطاع المال، وتسهيل لجوء المواطن للاستدانة من البنوك لتعويض التراجع الحكومي في الخدمات، واضطرار الدولة بالمقابل للاستدانة للإيفاء ببعض الحاجيات الأساسية لكونها لم تعد قادرة على رفع الضرائب بسبب النظرية الاقتصادية المعتمدة، وبسبب تشكل طبقة ما فوق متوسطة من الناخبين لها مصلحة بألا تزيد الضرائب، لأنها ستكون الخاسر الأكبر، ولأن الأرباح المتأتية لهذه الطبقة من تخفيض الضريبة تُستثمر في صناديق سندات استدانة للدولة تدر على هذه الطبقة أرباحاً مضمونة وكبيرة؛ وهكذا فإن هذه الطبقة من مصلحتها، ومعها الطبقات الأكثر غنى، أن تكون الدولة قادرة على تسديد ديونها؛ ولكي تتمكن الدولة من ذلك لا بد لها من زيادة الضريبة على المواطنين وتخفيض نفقات الدولة، وأن أي محاولة للاستدانة ستجابه بمقاومة شرسة طالما لا توجد ميزانية مفصلة تؤكد قدرة الدولة على الإيفاء.
هذه العلاقة بين الدولة والدائنين في السوق أصبحت علاقة تعاقدية، وتوسعت لتصبح السوق شريكاً في العملية الديمقراطية؛ لكنها شريك مختلف، كما يقول وولفنغ ستريك في كتابه «شراء الوقت»، لأن المواطن علاقته بالدولة دستورية بينما علاقة السوق تعاقدية مدنية تُجبر الدولة على السداد في المحاكم؛ ولكيلا تُجبر الدولة على إفساد العلاقة مع السوق، ولكيلا ترتفع الفوائد على ديونها، فإنها تجهد لإرضاء السوق على حساب المواطن. والغريب في هذه المعادلة أن الضريبة نادراً ما تطول الطبقة الغنية جداً لأن الحكومة ترى بموجب النظرية النيوليبرالية أن ذلك سيدفع الأغنياء لتهريب أموالهم إلى الخارج، وإلى العزوف عن الاستثمار، ولأن الضرائب المرتفعة ستؤدي إلى عائدات قليلة للمستثمرين لا توازي مخاطر الاستثمار، وهذا كله سيؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي الذي سيدفع الحكومة للاستدانة أكثر، وكذلك إلى زيادة الضرائب أكثر، ومعه يرتفع شقاء المواطن ومعاناته. هذه الرؤية المختلة في ميزان تقاسم الغُرم لا يقاومها أحد من المعارضة الحزبية في بريطانيا ولا يفندها أحد بل على العكس يلزمون الدولة بإيفاء ديونها، وبأن توازن الميزانية، ويقولون إن على الجميع (المواطنين) تقاسم عبء التكاليف. وهكذا أصبحت النظرية النيوليبرالية مُقدساً يجُلّه الجميع!
إن عبارة «تقاسم التكاليف» مضللة جداً لأنها تنطوي على قناعة أن الأغنياء وأصحاب الشركات يدفعون قسطاً ضريبياً مساوياً للمواطن العادي، وهذا ليس صحيحاً؛ وكذلك عبارة السياسيين: «كلنا في الأزمة سواء ونتحمل معاً تبعاتها» ليس صحيحاً؛ فالأغنياء هم المسيطرون على السوق سواء في الاقتصاد المحلي أو العالمي، ولأن تكتل الأغنياء العابر للقارات هو الذي يوفر الديون للدول، وهو الذي يحدد وفق معادلة غريبة أسعار الفوائد على تلك الديون، وبالتالي يرفع ما يسمى معدل reservation profit أي نسبة الأرباح المقبولة على أي ديْن؛ وهذا يُبقي السوق سيفاً مسلطاً على الحكومات التي لها خياران؛ أن تعتمد سياسة تقشف تُفقر المواطن، أو أنها تتمرد على السوق، وهذا سيجعلها دولة مدينة لا يُقْرضها أحد، وتتراجع قيمة عملتها، وتهرب رؤوس الأموال منها، ويتراجع الاستثمار فيها.
هل هذا قدر لا يمكن الفكاك منه؟
بالطبع لا، إنه خيار اتخذته الحكومة البريطانية، للأسف، برضا المواطن وبالذات في عقد السبعينات مع مارغريت ثاتشر والرئيس الأميركي رونالد ريغان، لمواجهة أزمة الرأسمالية الاجتماعية المستفحلة آنذاك، وقد تمكنت تلك النظرية من نقل بريطانيا من مدين إلى دائن للصندوق الدولي، ومن اقتصاد منهار إلى اقتصاد قوي، لكنها وصلت الآن لطريق مسدود، ولم تعد صالحة وبالذات بعدما تحولت بريطانيا من دولة صناعية إلى دولة خدمات بامتياز؛ فبريطانيا تعتمد الآن على القطاع المالي والقطاع الخدماتي بنسبة تقترب من 81 في المائة من الناتج القومي، وهذا القطاع أصبح مهدداً بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولم تستطع بريطانيا رغم جهود كل الحكومات المتعاقبة أن تبني اقتصاداً صناعياً قوياً يتنافس مع أقوى اقتصادات العالم.
إن ميزانية بريطانيا برهان ساطع على أن دولة الضريبة خسرت معركتها مع دولة الديون، وأن السوق أصبحت شريكاً ديمقراطياً يملك حق الفيتو بينما المواطن الضعيف تحول إلى شريك دوره مقصور على تغيير الحكومة وليس تغيير دولة الديون.