النمو السكاني في العالم... نعمة أم نقمة؟

النمو السكاني في العالم... نعمة أم نقمة؟

الأربعاء - 15 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 09 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16052]

يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، من المتوقع أن تعلن الأمم المتحدة أن عدد سكان العالم سيتجاوز للمرة الأولى رقم 8 مليارات نسمة، حسبما ورد في تقارير إعلامية.
في عام 2037 يتوقع أن يبلغ العدد 9 مليارات نسمة. الإحصائيات السكانية تقول إنه بحلول عام 2080، سيبلغ عدد سكان العالم 10.4 مليار نسمة. وبالطبع، هذا في حالة أن الحرب الدائرة حالياً بين أوكرانيا وروسيا لن تتطور في مراحلها القادمة، وتجُر إليها أمماً وشعوباً أخرى، أو تتحول، لا سمح الله، إلى حرب نووية. أو يتعرض العالم لمحنة وبائية أخرى، لا تقل سوءاً عن انتشار الوباء الفيروسي «كوفيد».
هل هذه الإحصائيات السكانية باعث على الفرح أم الحزن؟ ومن سيكون الفرحون ومن المحزونون؟ من المحتمل جداً، أن الفيلسوف الإنجليزي توماس مالثوس، لو كان حياً، لن يكون من الفرحين. ومن المتوقع، أنه حتى وهو في قبره، سيتململ جزعاً لدى إعلانها. توماس مالثوس كان فيلسوفاً وخبيراً اقتصادياً وديموغرافياً إنجليزياً، اشتهر بنظريته القائلة إن النمو السكاني سيميل دائماً إلى تجاوز الإمدادات الغذائية، وإن تحسين الجنس البشري مستحيل من دون وضع قيود صارمة على التكاثر. السيد مالثوس توفي في عام 1834، وقتذاك، كان عدد سكان العالم لا يتجاوز المليار نسمة فقط، وموته لا يعني أن مدرسته الفكرية التشاؤمية قد انتهت معه. هناك الآلاف من أتباعه ومريديه ممن ما زالوا على قيد الحياة، وهم بالتأكيد لن تسعدهم الإحصائيات السكانية الجديدة، التي ستعلن خلال الأيام القليلة القادمة.
السير ديفيد أتنبره، الخبير البريطاني في علم البيئة، وهو، كما يقولون، أشهر من نار على علم، لن يكون من ضمن الفرحين هو أيضاً، لأنه مثل غيره من أنصار الحفاظ على البيئة، يرى أن النمو السكاني مضرّ. السير أتنبره، وفق التقارير الإعلامية، سبق له أن صرح قائلاً: «إن كل مشاكلنا البيئية تصبح سهلة الحل، حين يكون عدد السكان أقل».
الحكومات الغربية من الممكن ضمها إلى هذه الفئة أيضاً. فهي لا تعاني من النمو السكاني، بل العكس هو الصحيح. الدول الغربية مشكلتها في ازدياد نسبة كبار السن نتيجة توفر العناية الصحية، ونقص في نسبة المواليد الجدد، نتيجة عزوف الأجيال الشابة عن الإنجاب، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. كبار السن مصطلح يدل، ويحيل على فئة المتقاعدين عن العمل، من الجنسين، الذين تزداد أعدادهم عاماً تلو آخر، ويثقلون ميزانية تلك الدول بمعاشاتهم، وما تنفقه عليهم من أموال في مجال الرعاية الصحية، وما توفره لهم من رفاهية. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على سبيل المثال لا الحصر، يريد أن يرفع سن التقاعد، في محاولة لتخفيف الضغط على الميزانية العامة، إلا أنه يواجه بمعارضة شديدة. الحكومة البريطانية كذلك تسعى لرفع سن التقاعد، وخاصة للنساء.
الدول الفقيرة من الممكن أن تنضم إلى فئة المحزونين. فهي لا تعاني من انخفاض في النمو البشري مثل الدول الغنية، وليس لديها الموارد الاقتصادية أو الإمكانات المالية لإطعام شعوبها، وتعتمد في ذلك على ما يصلها من مساعدات من المنظمات الدولية. لدى اشتعال الحرب الأوكرانية - الروسية، وتوقف شحنات الحبوب إلى عديد من الدول العربية والأفريقية، ارتفعت الأصوات عالياً، من قبل المنظمات الدولية تنبه إلى احتمال حدوث مجاعة في تلك الدول. ومع ذلك، أو بالأحرى ورغماً عن ذلك، فإن الإحصائيات لن تكون باعثاً على الحزن لجميع البشر والحكومات.
الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها، والتعامل معها، هي أن ازدياد النمو السكاني يقود بالضرورة إلى زيادة الطلب على موارد الأرض، وهي محدودة. والحل؟
الحلول، يقول الخبراء الاقتصاديون بثقة، تكمن في الإيمان بالتقدم التكنولوجي وإمكاناته الهائلة. وهم يرون أن زيادة النمو السكاني يعني في حقيقته زيادة في الثروة البشرية، أي زيادة في العقول البشرية النيرة المبدعة. العقول النيرة والمبدعة، كما أنقذت البشرية في الماضي، من الهلاك جوعاً، ومن الأوبئة، ستفلح مستقبلاً في إبداع اختراعات تقنية متطورة تساهم في زيادة الموارد الأرضية، والبحث عن بدائل جديدة، كما فعلت من قبل، بنجاحها في ميكنة الزراعة، وتطوير أساليب الإنتاج والأسمدة، وإحداث نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي والحيواني.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو