المايسترو الأوحد يدير الفراغ من «العونية» إلى «الباسيلية»

المايسترو الأوحد يدير الفراغ من «العونية» إلى «الباسيلية»

الاثنين - 12 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 07 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16050]

في الأسبوع الأخير من أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، استهل لبنان حقبة جديدة في تاريخه الحديث. هي جديدة نتيجة لحدثين رئيسين؛ الأول توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل الذي مهما بلغت فذلكات توصيفه يدل على وقف العمليات الحربية بين البلدين، والمعنيّ الأول بها في المديين القصير والمتوسط تحديداً هو «حزب الله». بلغة مباشرة وأوضح، هو اتفاقية هدنة ثانية برضا ومباركة الحزب وانخراطه في التوصل إليها، وبتسهيل حثيث من الراعي الأميركي، وتهليل الدول الأوروبية وتصفيقها.
الحدث الثاني هو نهاية ولاية الرئيس اللبناني ميشال عون بعد 6 سنوات من أصعب وأخطر ما مرّ به لبنان على الصُّعد كافة؛ أبرزها الانهيار المالي والمصرفي، وتفجير مرفأ بيروت، والتعطيل القسري لأدوار المؤسسات كافة، والانقلاب على الدستور، وجرّ البلاد عنوة إلى المحور الإيراني في الإقليم بغطاء ومباركة من أعلى مرجعية سياسية مسيحية هي رئاسة الجمهورية، وأخيراً السير بمنهجية مدروسة لتهميش الطائفة السنية ودورها، وتفتيت زعاماتها واغتيالهم جسدياً ومعنوياً من خلال عرقلة تشكيل الحكومات وأعمال مجلس الوزراء.
الحدثان سوف يولدان تغييرات بنيوية في الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان، وبدوره في المنطقة. بداية، يتأتى عن الترسيم بالشكل والمضمون عدد من الوقائع؛ أبرزها تمكين «حزب الله» من التفرغ إلى الداخل اللبناني بعد استبعاد شبح الحرب مع إسرائيل، مع استمراره بتكرار شعارات مستهلكة وممجوجة، مثل السلاح لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ثم السلاح لحماية السلاح، ثم السلاح لمحاربة «داعش» وأخواتها، والسلاح لاسترجاع ثروات لبنان البحرية، واليوم السلاح لحماية هذه الثروات. إلى الراحة من هموم الحرب مع «العدو المفترض»، حصل الحزب على اعتراف ضمني أو معلن - أو بين الاثنين - من الدول النافذة بواقع هيمنته في الداخل اللبناني، واعتباره الجهة القادرة على ضمان الاستقرار، والركون إلى أن عمليات استخراج الغاز والنفط من لبنان وإسرائيل لن تتعرض لهزات أمنية تُذكر، تهدد فعلياً الاستثمارات المتوقعة. إلى هذا، حصل تسليم ضمني بأن بقية القوى السياسية، على تعددها، عليها التعايش مع الواقع الجديد بشكل أو بآخر؛ أي بالمباشر، خفوت الأصوات المنادية بنزع السلاح غير الشرعي، والسطوة الإيرانية، وغيرها. وتجدر الملاحظة في هذا السياق، أنه منذ أكثر من شهرين، توجهت التصريحات والمواقف في غالبيتها بالنقد والتجريح وتحميل مسؤولية الأزمات والكوارث إلى الرئيس عون وفريقه وحزبه، من دون «حزب الله» المتفرج من وراء الستارة على ما يدور على المسرح. كل ذلك يقودنا إلى شبه قناعة بأن الغرب وبعض العرب باتوا مقتنعين بأن لبنان سيبقى لفترة طويلة نسبياً في الفلك الإيراني، وينبغي التصرف معه وإزاءه على هذا الأساس.
أخيراً، فإن الحقبة الجديدة قد تحمل معها تغييراً إيجابياً في أحوال اللبنانيين اقتصادياً، إذا أحسن «حزب الله» وحلفاؤه التفاهم مع الأطراف الأخرى على الإفادة من عائدات الغاز، إذا قُدر استخراجها بكميات تجارية معقولة.
أما نهاية ولاية الرئيس عون، فهي تتجاوز مجرد نهاية عهد لتصل إلى نهاية الزعامة السياسية للجنرال ميشال عون، على الرغم من أنه اعتبرها بداية لمرحلة جديدة من النضال لتحقيق شعاراته، والأصح اعتبرها بداية حقبة صهره ووريثه جبران باسيل، وهو ما هدف إليه رئيساً وبعد رئاسته.
عون يعرف تماماً أنه إلى تراجع، وعزاؤه في توريث الصهر، وأن «العونية» باقية وسوف تنتصر. من هذه الزاوية، لا يجوز الاستخفاف أو الاستهتار بهذه الظاهرة «العونية» التي عمرها أكثر من 35 سنة، يوم كان يردد ما ينقله عنه مؤيدوه زمن قيادته للجيش، وكنت شاهداً على ذلك، أنه «سيقضي على الجميع دون استثناء»، فيما كان يوحى أنه بمثابة مشروع انقلابي ينتظر فقط نهاية عهد الرئيس أمين الجميل سنة 1988.
ومهما تعددت الأسباب أو الأهداف يومها، سواء كانت ناتجة عن هوس شخصي بالسلطة، أو هوس شخصي استغلته قوى خارجية وداخلية؛ مرة عراقية صدامية وأخرى فلسطينية عرفاتية، ومرة إيرانية خمينية؛ يبقى المشروع هو هو؛ الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها، على غرار ما شهدناه في دول عربية كثيرة وقعت في قبضة الاستبداد والمستبدين لعقود، وبعضها لا يزال.
إشكاليات كثيرة في المشروع العوني؛ أولها أنه ولا مرة كانت لديه وحده القدرة أو مقومات الاستيلاء على السلطة من دون اللجوء إلى جهة خارجية، بحيث رسا أخيراً في أحضان «حزب الله» وسوريا الأسدية، فيما عُرف بـ«تفاهم مار مخايل» سنة 2006 الذي كان بمثابة اتفاق قاهرة جديد.
ثانياً، «العونية» حالة مرضية كما وصفها بعضهم في المجتمع المسيحي، وقابلة للتوسع، خصوصاً بعد مفاعيل الترسيم التي جعلت وجهة الريح لصالح حليف التيار «حزب الله»، مما قد يمكّن التيار من التمدد على حساب القوى المسيحية الأخرى. مكونات قابلية التمدد حاضرة، وأعراضها ظاهرة عبر الخطايا المرتكبة منذ عقود؛ وأبرزها عقدة رئاسة الجمهورية، والتنافس بشراسة وبحسابات ضيقة رخيصة للوصول إليها. كذلك إهمال المتغيرات الإقليمية، واعتبار لبنان بمثابة جزيرة معزولة عما يجري في المحيط. يضاف إلى ذلك عدم قدرة الأحزاب المسيحية - ولا حتى الرغبة الفعلية - للخروج من عباءة الطائفة إلى الفسحة الوطنية في لبنان الكبير عن حق وقناعة؛ إذ تَبرز علامات القوقعة المسيحية عند المنعطفات الحاسمة في الحياة السياسية، مثل عدم السماح بالمس بالموقع المسيحي الأول الذي دفع ثمنه اللبنانيون منذ عام 2005، عندما رفضت بكركي إسقاط الرئيس إميل لحود، وجرى حينها التفريط في فرصة تاريخية نادرة مثل حركة «14 آذار»، وعندما شاركت الأحزاب المسيحية في إسقاط حكومة سعد الحريري برفض التظاهر والمطالبة بإسقاط الرئيس عون، مما خلق حالة من الغربة بينهم وبين باقي الطوائف. أليس عون هو مَن زجّ المسيحيين في حلف مع إيران، وأعطى الغطاء المسيحي لسلاح «حزب الله» حتى يوم «غزوة» 7 مايو (أيار) 2008؟ فلماذا الإصرار على اعتبار رحيله ضد صالح المسيحيين وليس ضد نهج عون وتياره؟ واللافت أن بعض الأحزاب المسيحية، وتحديداً حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، دَعَوَا جمهورهما إلى عدم الاحتفال بنهاية عهد عون. رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع، اعتبر أن «يوم انتهاء ولاية الرئيس عون هو يوم للحزن وليس للفرح، نظراً للوضع الذي وصلنا إليه. وعمّمنا على المنتسبين كافة بعدم المشاركة بأي تحرك»، فيما قال رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميل: «أتوجه للكتائبيين لأدعوهم... ألا يصدر عنهم أي كلام غير لائق أو استفزاز... لأن علينا احترام مقام الرئاسة وشخص الرئيس». هكذا كلام يدل على إصرار هذه الأحزاب على مواقف طائفية في لحظة مفصلية. وإن كان عون ليس وحده سبب كل الشرور والأزمات، فإنه بأدائه وصهره باسيل باتا وسيلة لمن وراءهما من قوى خارجية، بدل أن يكونا في المرحلة الراهنة بحالة تماهٍ مع باقي اللبنانيين.
قصارى الكلام، أن الحقبة الجديدة تقتضي أداءً مغايراً، ومقاربات مختلفة ومبتكرة في السياسة، مطلوبة من القيادات المسيحية لمواجهة ما يمكن أن يقدم عليه التيار العوني بقيادة باسيل للإمساك بـ«القرار المسيحي» بحسب وصفهم، المتماهي مع تحالف الأقليات، في غياب الموقف السني الفاعل والمؤثر، بحيث تصبح السياسة كلها بيد الثنائي الشيعي، وبقيادة مايسترو أوحد هو «حزب الله» في مرحلة قد تطول، وعندها لا ينفع الندم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو