لندن بلد النهرين!

لندن بلد النهرين!

الأحد - 22 صفر 1444 هـ - 18 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [16000]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

العالم يعرف نهر التايمس كأحد ثوابت الجغرافيا المتلاحمة بتاريخ لندن العريق. هذا الأسبوع، ظهر نهر آخر بجانب التايمس، نهر بشري يتثعبن مع التواءات المجري المائي على الضفة المقابلة لمبانٍ يتجاوز عمر بعضها ألف عام، تمثل المؤسسة الدستورية لأقدم ديمقراطية مستمرة بلا انقطاع لعشرة قرون. نهر بشري متدفق طوال الأربع والعشرون ساعة بطول تجاوز ثماني كيلومترات (ساعة الكتابة). مقدمته بدأت، مساء الأربعاء، تعبر كوبري لامبث، أمام قصر لامبث، المقر الرسمي لكبير أساقفة الكنيسة الإنجليكية، إلى الضفة الشمالية، وتتجه شرقاً عبر حدائق فيكتوريا إلى قاعة قصر وستمنستر الكبرى من بوابة القديس ستيفنسون لتلقي نظرة الوداع على جثمان الملكة إليزابيث الثانية، حتى السادسة والنصف من صباح الغد (الاثنين) قبل تشييع الجنازة الرسمية.
تجوّلتُ لساعات لقياس نبض وأحاسيس مكونات النهر البشري. بجانب البريطانيين هناك الآلاف من مختلف بلدان العالم، بمن فيهم رعايا التاج البريطاني (14 بلداً) وبقية الكومونولث؛ الدموع أكثر من الابتسامات.
تجولت بين جموع أخرى، شمال النهر، من مباني البرلمان، وكاتدرائية دير وستمنستر (وستمنستر آبي)، فمباني «وايت هول»، إلى قوس الأدميرالية، وساحة استعراض الفرسان الملكية، إلى قصر باكنغهام، ثم غرباً إلى قصر سانت جيمس، وكلارنص هاوس، ولانكاستر هاوس. الجغرافيا، والمعمار المتراكم لأحد عشر قرناً، والبشر، كل بذكرياته وتاريخه ومشاعره، مع المراسم في الأيام الماضية، تشكل النسيج الحضاري الديموغرافي الزمني للأمة البريطانية، دستورياً، وتاريخاً، ووجداناً، وهويةً. المعمار، بالقصور والمباني والثكنات العسكرية يمثل الدولة بمؤسساتها، المدنية والدينية والقضائية، بسلطاتها المختلفة، كتشريعية وتمثيلة، وتنفيذية.
التحام الناس، سواءً في النهر البشري لتقديم التحية الأخيرة لملكة لم تعرف ثلاثة أجيال غيرها لسبعة عقود، أو الذين يضعون الزهور وبطاقات التوديع أمام القصور الملكية وحول الأشجار، يتجاوز مجرد التعبير عن الحب والتقدير وتأكيد الولاء للملك تشارلز الثالث. إنها نبضات مشاعر إعادة تأكيد الجماهير لأنفسهم بعمق جذور الأمة وإظهار هويتها، وتعليم الأجيال الصغيرة التقاليد والأعراف والممارسات والطقوس التي يتكون منها دستور المملكة غير المكتوب.
فلا توجد مناسبة بريطانية تعرف بـ«العيد القومي» (الوطني عند البعض)، كعيد الاستقلال، الرابع من يوليو (تموز) عند الأميركيين، والبريطانيون أكثر اتزاناً وبروداً من إشعال ثورة يحتفلون بها كيوم قومي كالفرنسيين (يوم الباستيل في الرابع عشر من يوليو)، ولذا لا يوجد في تاريخ المملكة المتحدة الممتد قروناً «عيد قومي» يحتفل به سنوياً. مناسبة توديع ملك بجنازة رسمية وإعلان ملك جديد، بممارستها الدستورية المعقدة وزيارته برلمانات بلدان اتحاد المملكة، هي بديل «العيد القومي»؛ وهو حدث لا يتكرر في حياة المواطن البريطاني إلا نادراً. التغيير الدستوري، بدفن ملك وتنصيب خلفه، مناسبة تاريخية لم تحدث سوى سبع مرات في المائتي عام الأخيرة، منذ جنازة الملك جورج الثالث (1760 - 1820) وتنصيب جورج الرابع (1762 - 1830) حتى وفاة إليزابيث الثانية (1926 - 2022) وإشهار تشارلز الثالث ملكاً هذا الأسبوع.
فالملك، كرأس الدولة، مكون أساسي للهوية البريطانية ورابطها التاريخي بالديمقراطية والقانون والحرية والاستقرار، ولهذا فكلمات النشيد الرسمي هي لشخص الجالس على العرش. السبب أن الملكية هي مؤسسة توحد صفوف الأمة، وتضمن التماسك، مثلما عبر عنها النهر البشري من مختلف الأعراق والطوائف والعقائد. فطبيعة السياسة البريطانية تخاصمية ومواجهة، ومن يتابع الصور من مجلس العموم (برلمان وستمنستر) يرى أنه، بخلاف معظم برلمانات العالم، يجلس نوابه في جانبين متقابلين في مواجهة بمعارك كلامية (وخطان أحمران على البساط الأخضر على أرضية القاعة بينهما مسافة لا تسمح بتقابل سيفين، يعودان تاريخياً لما قبل منع النواب اصطحاب السيوف في حزامهم إلى القاعة قبل مائتي عام). كذلك النظام القضائي وبقية الممارسات الديمقراطية والسياسية من انتخابات البلديات المحلية مروراً باتحادات الطلبة والنقابات، طبيعتها تخاصمية؛ لكن مؤسسة التاج تترفع عن الخلافات، لأنها قاعدة اتفاق توحد التيارات والفرقاء، خصوصاً في عقد انقسمت فيه الأمة حول قضايا مثل «بريكست»، وتيارات الانفصال القومي الديماغوجية تحاول تقسيم المملكة. ولذا فاصطفاف الشعب، وآلاف من زوار البلدان الأخرى، في النهر البشري، هو تعبير تلقائي من وجدان الأمة بدعم المؤسسة الملكية كقوة للتوحد والتضامن والانسجام في عالم متخاصم، وضمان للاستمرارية بهدوء.
فقط في بريطانيا، باستقرار واستمرارية الملكية، تغير مجلس الوزراء ورئيس الحكومة (من بوريس جونسون إلى إليزابيث تراس)، فرأس الدولة (بمصادفة وفاة الملكة) بمراسم معقدة في ستة وتسعين ساعة بلا مظاهرات أو تحطيم زجاج!
لذا اصطف آلاف من بلدان الكومونولث، بجانب البريطانيين، يعبرون عن احترامهم للملكة، والمؤسسة الملكية لأسباب لن تجدها في عبارات المثقفين المنمقة المختارة بعناية لخوائها، لكنك ستستشعر الأسباب في وجدان الأفراد كذرات وجزئيات تتكون منها الأمة، لتجسد واقعاً لا مقابل له في تاريخ الإمبراطوريات التي شهدها العالم عبر القرون. وما حدث عند أفول شمس «الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس» تطور فريد، كالإمبراطورية الوحيدة التي تحول تفككها إلى تماسك لا انفراط لعقدها. الأسرة، أي المستعمرات والمحميات والقواعد السابقة، التي كونت الإمبراطورية، قررت، طواعية بعد الاستقلال، العودة إلى صدر الأم، ولم شمل الأسرة في شكل الكومونولث، ليس بكراهية الأم، بريطانيا، بل بتأكيد زعامتها باختيار الملكة إليزابيث كرئيس المنظمة، ثم اختيار الملك تشارلز الثالث رئيساً خلفاً لها.
وعودة إلى النهر البشري، ورعايا الملكة يقفون نيابة عن الجد أو الجدة الذين تلقوا برقية التهنئة بتوقيع الملكة عند بلوغهم المائة عام، وأطفال يحملون بطاقات، بتوقيع الملكة بخط يدها رداً على رسائل بعثوا بها.
ضابط متقاعد وقف في طابور الانتظار على الضفة الجنوبية من التايمس بكامل ملابسه العسكرية، التي قضى ساعات في كيها وتلميع الأوسمة والحذاء العسكري، لا يمانع في قضاء يوم كامل في السفر والانتظار، لتحية الملكة التي أفنت سبعين عاماً من عمرها في خدمة الأمة والكومنولث، مضيفاً: «ضروري رونق الزي العسكري عندما أؤدي التحية الأخيرة لجلالة الملكة، القائد الأعلى للقوات المسلحة».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو