المناخ على وقع حرب أوكرانيا

المناخ على وقع حرب أوكرانيا

الأحد - 18 ذو الحجة 1443 هـ - 17 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15937]
نجيب صعب
الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) ورئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»

كشفت الحرب في أوكرانيا حساسية الاتفاقيات المناخيّة للحروب، والتطورات الجيو- سياسية الكبرى؛ خصوصاً إذا ضربت إمدادات الغذاء والطاقة، وأدخلت الاقتصاد العالمي في حالة ركود. فمهما حاول بعضهم المكابرة، لا يمكن إنكار أنّ تحقيق الالتزامات المناخيّة سيتأثر في السنوات المقبلة بنتائج هذه الحرب الضروس وسط أوروبا، التي هي في المحصلة صراع على المصالح والثروات الطبيعية والنفوذ. لكن صدمة أوكرانيا قد تقرع جرس الإنذار لإدخال تعديلات جوهرية في سياسات الأمن الغذائي والطاقة على مستوى العالم، لتجنّب هزّات مماثلة في المستقبل. ويبدو أنّ صنّاع السياسات اكتشفوا أخيراً أنّ أمن الغذاء والطاقة لا يُختصر في زيادة الإمدادات؛ بل يتعدّاه إلى ترشيد الاستهلاك وتعزيز الكفاءة وتشجيع الإنتاج المحلّي.
هذه الأجواء انعكست على الاجتماعات الدولية الأخيرة لمتابعة تنفيذ مقرّرات قمة غلاسكو المناخية، والاستعداد لقمة شرم الشيخ في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فقد عقدت الدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغيُّر المناخ اجتماعها السنوي في بون، لمراجعة الالتزامات بخفض الانبعاثات. وفي حين أعرب الجميع عن نيّات حسنة نتيجة لاتفاق شامل على فداحة المشكلة، اشتدّ الخلاف حول التمويل. وتبيّن أنّ مبلغ المائة مليار دولار التي وعدت الدول الغنية منذ زمن طويل بتأمينه سنوياً، كمساعدة أولية مناخية للدول الفقيرة، لم يكتمل بعد. أما العقدة الكبرى المستمرة، فكانت الاتفاق على صندوق تموّله الدول الصناعية الغنية للتعويض عن الخسائر والأضرار الناجمة عن دورها التاريخي في التغيُّر المناخي.
منذ انطلق الحديث عن المناخ في المحافل الدولية، بيّنت الدراسات أنّ معظم الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري جاءت من الدول الغربية الكبرى، ابتداءً من عصر الثورة الصناعية. لكن الضرر الأكبر من تغيُّر المناخ يقع على الدول الفقيرة، بسبب طبيعتها من جهة، وعدم قدرتها على المواجهة المطلوبة بالمال والتكنولوجيا من جهة أخرى. لذا لم تتوقف الدول النامية عن مطالبة الدول الصناعية بتعويضات عن الأضرار التي أحدثتها في بيئة العالم خلال 200 سنة. وإذا كان المبدأ موضع تفهُّم، فإنّ الاتفاق على آلية لتطبيقه بقي عصيّاً. فمجرّد القبول بدفع أي تعويضات تعود للمسؤولية التاريخية عن الانبعاثات يفتح الباب أمام مطالبات قد لا تنتهي خلال عشرات السنين.
في مؤتمر غلاسكو المناخي، أصرّت الدول النامية على إنشاء صندوق للتعويض عن المسؤولية التاريخية، إلى جانب صندوق المساعدات المناخية الذي لا يزال هو نفسه يعاني عجزاً في التمويل. وقد رضيت الدول النامية بتسوية قامت على قبولها بتخفيض الانبعاثات الكربونية وفق مقرّرات غلاسكو، مقابل وعد من الدول الغنية بدراسة موضوع إنشاء صندوق للتعويضات عن الأضرار والخسائر، وطرحه على مؤتمر «كوب 27» في شرم الشيخ. لكن اجتماع بون فشل في التوصل إلى اتفاق على اقتراح بشأن الصندوق، وترك الأمر لقمة شرم الشيخ.
ولا بدّ من أنّ مضاعفات حرب أوكرانيا ألقت بظلالها السوداء على اجتماع بون. فكيف لدول تعاني اقتصاداتها أكبر انكماش خلال عقود أن تلتزم بتعويضات قد تصل إلى تريليونات الدولارات خلال 50 أو 100 سنة، بعدما كانت قد تجنّبت هذا في سنوات الازدهار والبحبوحة؟
ما إن انتهت اجتماعات بون المناخية حتى عقد الرئيس الأميركي جو بايدن «منتدى الاقتصادات الكبرى حول الطاقة والمناخ»، بمشاركة دولية رفيعة المستوى. حرب أوكرانيا وتأثيرها على إمدادات الطاقة والغذاء حضرت بقوة في النقاشات. لكن المنتدى نجح، رغم ذلك، في إعطاء دفعة إيجابية على الطريق إلى شرم الشيخ. فالرئيس الأميركي جدّد التزامه بتعهدات غلاسكو في مجال خفض الانبعاثات الكربونية؛ لكنه أضاف إليها أهدافاً محدّدة. فقد وعد بتسريع تطبيقات التقاط الكربون وتدويره أو تخزينه، وإدخال الهيدروجين النظيف خلال سنوات قليلة كعامل أساسي في مزيج الطاقة، وإصدار نصف السيارات الجديدة المبيعة في الولايات المتحدة سنة 2030 «صفر انبعاثات»، مما يعني اعتماد سيارات تعمل بالكهرباء أو الهيدروجين. وفي كلامه عن المخاطر على الأمن الغذائي من النقص في الأسمدة بسبب حرب أوكرانيا، شدّد على الترشيد ووقف الهدر، وأشار إلى خسارة نصف كمية الأسمدة المصنوعة من النيتروجين بسبب الممارسات الزراعية غير الكفؤة، وهذا أكثر مما يحتاجه العالم لسدّ العجز الحالي في الأسمدة.
في الإطار نفسه، نبّه بايدن إلى أنّ كمية غاز الميثان الناجمة عن صناعات الطاقة التقليدية الأميركية، من غاز طبيعي ونفط وفحم، والتي يتم التخلُّص منها بالإشعال في الأجواء المفتوحة، كافية، إذا تم التقاطها وتحويلها إلى هيدروجين، لتوفير بديل نظيف يسدّ كل حاجات أوروبا من الغاز الروسي. وهذا، في رأي بايدن، يحلّ مشكلة الانبعاثات الناجمة عن حرق الميثان، كما يسهم في حل مشكلة الطاقة في أوروبا.
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تعهدت في المنتدى العالمي بما لا يقلّ عن وعود الرئيس الأميركي. فهي حدّدت سنة 2035 لوقف بيع أي سيارات جديدة تصدر عنها انبعاثات كربونية، وتخصيص نحو 300 مليار يورو حتى سنة 2027 لدعم التكنولوجيات النظيفة، وتقديم برنامج عملي إلى قمة شرم الشيخ لتخفيض جدّي للانبعاثات في قطاع النقل البحري، وتخصيص 600 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في البلدان الأكثر تأثّراً بتغيُّر المناخ.
وحضرت المنطقة العربية بقوة في المنتدى العالمي، بمشاركة لافتة للمبعوث السعودي لشؤون المناخ، الوزير عادل الجبير الذي دعا إلى استجابة دولية فاعلة، وحشد الجهود لمواجهة تحدّيات التغيُّر المناخي، مع أخذ ظروف الدول النامية في الاعتبار، ومساعدتها في مواجهة الآثار السلبية، من دون إعاقة برامجها للتنمية المستدامة. واكتسب كلام الجبير قوّة استثنائية لأنه دعمه بعرض لما تقوم به السعودية من مشاريع وإجراءات لتحقيق الأهداف المناخيّة العالميّة. وعكس مستوى التمثيل والكلام القوي المباشر قراراً سعودياً واضحاً بأخذ زمام المبادرة في القضايا المناخية، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل على مبادرات الآخرين.
إنها وعود نبيلة وجميلة. لكن علينا الانتظار لنعرف –وسط أزمة اقتصادية تجتاح العالم- ما إذا كانت برامج بايدن ستعبر في الكونغرس، ووعود فون دير لاين ستجتاز عتبات الاتحاد الأوروبي. لكن هناك من يرى أنّ الأزمة التي فجّرتها حرب أوكرانيا قد تفتح الطريق لتسريع الخطوات لعمل مناخي يقوم على الإنتاج النظيف، وتعزيز الكفاءة، ووقف الهدر.
* الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)
ورئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو