جيمس ستافريديس
- أميرال بحري متقاعد بالبحرية الأميركية وقائد عسكري سابق لحلف الناتو وعميد كلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية بجامعة تافتس < بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
TT

ما ينبغي لنا توقعه من المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو

في الوقت الذي كان يستعد فيه قادة دول منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للاجتماع، مؤخراً، في مدريد، تذكرت مكالمة تلقيتها بعد فترة وجيزة من تقلدي منصب القائد الأعلى للحلفاء في الناتو عام 2009. كانت المكالمة من الأمين العام أندرس فوغ راسموسن، وبالأسلوب المباشر الذي طالما اشتهر به، قال: «جيم، أريدك أن تعمل مع مادلين أولبرايت على مفهومنا الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو. نحن ملتزمون بجدول زمني قصير، ويجب أن يجري ذلك على نحو صحيح. تواصل معها وقدم لها كل دعمك».
في ذلك الوقت، لم أكن أعرف أولبرايت، التي تولت حقيبة وزارة الخارجية الأميركية، من 1997 إلى 2001، وراودني شعور بالرهبة إزاء طاقتها وروح الدعابة والقيادة. وبالفعل، اتصلنا بالفريق المعاون لها، وأجرينا مكالمة تمهيدية. وفي العام التالي، تشرفت بأن أكون جزءاً من فريقها الذي وضع استراتيجية طويلة الأجل للناتو، وهي الأولى من نوعها من القرن الحادي والعشرين.
وجرى تبني النتيجة، التي حملت عنوان «المشاركة الفعالة والدفاع الحديث» في قمة الناتو عام 2010 في لشبونة. وما زلت أشعر بالاعتزاز بنسخة الجيب الصغيرة، زرقاء اللون، والموقعة من أولبرايت. وقد حملتها معي حرفياً طوال السنوات الأربع التي توليت خلالها قيادة العمليات العسكرية للناتو.
ومثلما هو متوقع، يعكس المفهوم الاستراتيجي العصر الجديد، فقد جاء مليئاً بالإشارات إلى مكافحة الإرهاب وأفغانستان والبلقان والقرصنة والمهام الأخرى في ذلك اليوم. كما أن هناك إشارات موجزة للتغييرات المناخية والحرب الإلكترونية. أما الصين فلا تظهر في النص الجديد.
وربما كان الجزء الأكثر إثارة للسخرية في استراتيجية عام 2010 الكلمات التالية: «الناتو لا يشكل تهديداً لروسيا. على العكس من ذلك. نريد أن نرى شراكة استراتيجية حقيقية بين الناتو وروسيا».
وفي حين أنه من المؤكد أن الناتو لا يشكل تهديداً لروسيا، سواء في ذلك الوقت أو الآن، فإن روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين تشكل بالتأكيد تهديداً للحلف. وتعتبر الحروب ضد أوكرانيا في عامي 2014 و2022 دليلاً على طموح بوتين للسيطرة على التوجهات الغربية تجاه أمته.
هذا الأسبوع، ولأول مرة منذ عام 2010، سيتبنى الناتو مفهوماً استراتيجياً جديداً ويعلنه. وسيحدث هذا مرة أخرى في شبه الجزيرة الإيبيرية، التي تمتد في المحيط الواسع الذي يربط بين 30 عضواً في التحالف عبر الأطلسي. والآن، ماذا سيناقش المفهوم الاستراتيجي الجديد؟ وما الذي يعنيه اعتماد هذا المفهوم للمنظمة الموقرة؟
من الواضح أن روسيا ستكون على رأس أولويات الجميع. الملاحظ أنه بعد تعرض الدولتين الديمقراطيتين وشريكي الناتو، جورجيا، وأوكرانيا، للاجتياح، و«الغزو الناعم» لمولدوفا، تبنى الحلف نهجاً صارماً تجاه الاتحاد الروسي.
الآن، أبحث عن الكلمات القوية التي من شأنها تقنين الزيادات الدفاعية الكبيرة، التي تتجلى في مضاعفة ألمانيا غير العادية لميزانيتها العسكرية لهذا العام. وسيلتزم كثير من الدول هدف التحالف، المتمثل في تخصيص 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع. ومن المحتمل كذلك أن يحدد المفهوم الاستراتيجي زيادة في قوات الرد الدائمة لحلف الناتو... (حتى الآن، اقتصر الناتو على تناوب القوات داخل وخارج أعضائه في أوروبا الشرقية).
ومن المحتمل كذلك، أن يتضمن المفهوم الجديد تأكيداً على التزام الناتو تجاه منطقة القطب الشمالي. ولأن الاحتباس الحراري يفتح موارد هائلة وطرقاً ملاحية، سيتفاقم التوتر الجيوسياسي بين روسيا على جانب من «الشرفة القطبية الشمالية»، وحلف الناتو من جهة أخرى (الولايات المتحدة، وكندا، والدنمارك، وآيسلندا، والنرويج). كما سيجري تكثيف المراقبة والتدريبات المشتركة. ومن شأن الإضافة المحتملة لدولتين من دول الشمال، فنلندا، والسويد، إبراز أهمية «الشمال الأعلى» وقوة التحالف داخل مياهه.
علاوة على ذلك، ستبرز الحرب الإلكترونية على نحو أكبر مما كانت عليه في وثيقة عام 2010. جدير بالذكر هنا أنه زاد عدد الأجهزة المتصلة بـ«إنترنت الأشياء» من نحو 7 مليارات في عام 2010 إلى أكثر من 50 ملياراً اليوم. ومع أن ذلك يعزز الشعور بالراحة، فإنه يمثل كذلك منطقة تهديد واسعة يمكن اختراقها من قبل الدول المعادية وجهات فاعلة غير حكومية. وستساعد التجارب الأخيرة في منع الهجمات الإلكترونية الروسية ضد أوكرانيا في توجيه النهج الجديد لحلف الناتو.
وعلى عكس ما كان عليه الحال عام 2010، ستصف هذه الخطة الطويلة المدى الصين بأنها منافس استراتيجي. في الواقع، لا يبحث الناتو عن صراع مع بكين، لكن يجب أن يكون قادراً على معالجة المخاوف في مجال الفضاء الإلكتروني وحقوق الإنسان والمطالبات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك النظر في قيام الناتو بدوريات لتأمين حرية الملاحة. ومن المرجح أن تشدد الوثيقة المحدثة أيضاً على التعاون العالمي مع الديمقراطيات غير الأعضاء في الناتو، بما في ذلك أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.
وأخيراً، سيؤكد المفهوم على أن طلبات التوسيع ستكون موضع ترحيب، وفقاً لمتطلبات الانضمام المنصوص عليها في معاهدة الناتو. وتقف فنلندا والسويد في المقدمة، في الوقت الذي لا تزال البوسنة والهرسك وجورجيا تأملان في تحسس طريق إلى العضوية، وكذلك بالطبع أوكرانيا.
تبدو جميع هذه المبادرات منطقية وضرورية. ومع ذلك، يجدر بنا أن نتذكر كيف كانت وثيقة عام 2010 خاطئة بخصوص روسيا. من جهته، قال دوايت آيزنهاور، أول قائد أعلى لحلف الناتو، إن «الخطة ليست شيئاً يذكر، لكن التخطيط هو كل شيء». لقد كان يقصد، عن حق، أن التحالف سيخطئ في بعض الأمور ويغفل أخرى.
ربما نتجه نحو علاقة بناءة مع الصين أكثر مما كان متوقعاً، أو ربما تكون هناك تحديات غير متوقعة، لكنها كبيرة خارج المنطقة، ربما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ناجمة عن القرصنة أو الهجرة الجماعية المتجهة إلى أوروبا. مَن في عام 2000 كان يتنبأ بتنفيذ مهمة للناتو في أفغانستان بـ150 ألف جندي؟
إن عملية التفكير في التحديات المحتملة، وصياغة وثيقة تحدد مساراً واسعاً للعمل، والعمل معاً لتنفيذه، سيجعل التحالف بطبيعته أكثر استعداداً لما يجلبه العقد المقبل من تحديات.
سيؤكد هذا المفهوم الاستراتيجي لعام 2022 على نقاط القوة الأساسية لحلف الناتو، وهي الإيمان المشترك بالديمقراطية والحرية وسيادة القانون والقيم الأخرى التي نعتز بها. وكم أتمنى لو كانت مادلين أولبرايت هنا لرؤيتها.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»