حل الأزمة الأوكرانية يستلزم دبلوماسية خلاقة

حل الأزمة الأوكرانية يستلزم دبلوماسية خلاقة

الأربعاء - 24 شوال 1443 هـ - 25 مايو 2022 مـ رقم العدد [15884]
رمزي عز الدين رمزي
سفير مصري ومسؤول أممي سابق

تعريف الانتصار والهزيمة في الحروب مسألة نسبية وديناميكية في ذات الوقت، لأنه يعتمد على مفهوم النصر والهزيمة عند الأطراف المتنازعة، وتبدل أهداف الأطراف المتنازعة حسب المستجدات على الأرض، أو حسب التوقعات المتغيرة، المتأثرة بردود فعل الرأي العام، محلياً ودولياً، أو المؤثرات الخارجية مثل تغيير مواقف الحلفاء. وغالباً ما تنتهي الحروب إلى أحد أمرين: إما انتصار أحد الأطراف، وإما التوصل إلى تسوية سياسية عبر التفاوض، وهو ما يحدث عندما تدرك الأطراف المتنازعة عدم إمكانية تحقيق أهدافها كافة.
والانتصار الكامل لطرف يعني بالضرورة الهزيمة المطلقة للطرف الآخر، وعادةً ما ينتج عن ذلك مجرد نجاح عابر للمنتصر، يتبعه غالباً وضع ليس بالضرورة أفضل من الذي كان سائداً قبل بداية الصراع.
والأمل أن تنتهي أزمة أوكرانيا إلى تسوية سياسية. فالانتصار الكامل لأي من الأطراف ستكون له تَبِعات غير محمودة. وهنا تكمن أهمية تحديد مفهوم أطراف النزاع لكل من النصر والهزيمة؟
فبينما أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البداية إلى أنه يَقبل بعض مطالب روسيا، مثل عدم الانضمام إلى حلف «الناتو»، ومنح وضع خاص لمقاطعتي دونيتسك ولوهانسك اللتين تشكّلان إقليم الدونباس في إطار أوكرانيا موحدة، فقد عاد وتشدد في موقفه نتيجة الدعم السياسي والعسكري الضخم الذي حصل عليه من الغرب، فقام برفع سقف مطالبه، حيث أعلن في 6 مايو (أيار) أمام مؤسسة «تشاتام هاوس» في لندن، أن أهدافه أصبحت استعادة وحدة أراضي أوكرانيا الكاملة، وخروج الروس من الأراضي التي احتلوها مؤخراً في جنوب وشرق البلاد، وكذلك من شبه جزيرة القرم، وعودة اللاجئين، وانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، ومحاكمة القادة العسكريين الروس بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
أما روسيا، فبعد أن أعلنت أن أهدافها هي منع انضمام أوكرانيا إلى حلف «الناتو»، واستبعاد «النازيين» من الحكم في كييف، والاعتراف بضم روسيا للقرم واستقلال جمهوريتى دونيتسك ولوهانسك، عدّلت من أهدافها لتأخذ في الاعتبار التطورات الميدانية.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنها أعطت إشارات متضاربة، فأعلن الرئيس بايدن في أواخر مارس (آذار) الماضي أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «لا يمكنه البقاء في السلطة»، ثم وصفه بمجرم حرب، ولكن سرعان ما تراجعت الإدارة بسرعة عن هذا الموقف، مشيرةً إلى أنه كان رد فعل عاطفياً ولا يعكس سياسة واشنطن.
ثم جاء تصريح وزير الدفاع، لويد أوستن، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، عندما أعلن أن الولايات المتحدة تسعى إلى «إضعاف» روسيا، لكن سرعان ما فسر مسؤولو الإدارة ذلك بأن الهدف منه كان محصوراً بالصراع العسكري فقط، حتى لا يفكر بوتين مرتين في غزو دولة أخرى، ثم عاد الوزير نفسه وصرح بأن أوكرانيا «يمكنها الفوز» في الحرب ضد روسيا، وأن إدارة بايدن ستفعل «كل ما في وسعها» لدعم هذا الهدف. وبعد بضعة أيام، تراجع في موقفه عندما مثل أمام لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، حيث أعلن أن هدف الولايات المتحدة هو «أن تكون أوكرانيا دولة ذات سيادة وبحكومة فاعلة يمكنها حماية أراضيها»، ولكن من دون تحديد شكل الحكومة أو الأراضي التي من المفترض أن تسيطر عليها.
بعد ذلك، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» مقالاً يعتمد على مصادر في الإدارة، مفاده أن إدارة بايدن وحلفاءها الأوروبيين قد بدأوا يخططون لعالم مختلف تماماً، ليس فيه تعايش وتعاون مع روسيا، وإنما سيسعون لعزلها وإضعافها كهدف استراتيجي بعيد المدى.
ويأتي هذا في الوقت الذي أعلن فيه مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، في البرنامج التلفزيوني الأميركي «Meet the Press»: «إن ما نريده في نهاية المطاف هو أوكرانيا حرة ومستقلة، وروسيا ضعيفة ومعزولة، والغرب أقوى وأكثر توحيداً وتصميما ً(...) ونعتقد أن تحقيق الأهداف الثلاثة أمر ممكن».
والتباين في المواقف الأميركية يثير القلق. وما يزيد من القلق هو أن الولايات المتحدة تميل عادةً إلى المبالغة في تحديد أهدافها عندما تكون طرفاً في صراع عسكري، كما حدث في الماضي في كوريا أوائل الخمسينات، وفيتنام في ستينات القرن الماضي، ومؤخراً في أفغانستان والعراق.
فعلى الرغم من أنه يمكن تفهم تخوف الغرب من إمكانية تحقيق روسيا أهدافها في أوكرانيا، فإن هواجس روسيا بشأن نية الغرب في إضعافها ودمج أوكرانيا بالكامل في المعسكر الغربي مبرَّرة أيضاً.
والحل الأمثل، إذن، للأزمة في أوكرانيا، والذي هو في الواقع صراع بين الغرب وروسيا، هو التوصل إلى صياغة جديدة لمنظومة أمنية أوروبية مشتركة، أي العودة إلى التفاهم الذي كان الغرب والاتحاد السوفياتي قد توصلا إليه في سبعينات القرن الماضي، أي بعد نحو 25 عاماً من بداية الحرب الباردة، عندما شرعوا في إقامة نظام الأمن والتعاون الأوروبي من خلال عملية هلسنكي التفاوضية.
والمهم هنا ليس فقط شكل ومضمون التسوية السياسية في أوكرانيا، وإنما كذلك الإطار الذي ستتم فيه. فالعناصر التي ستُبنى عليها التسوية ستُترك لعملية التفاوض بين روسيا من جهة وأوكرانيا (ظاهرياً) من جهة أخرى، ولكنها في الواقع ستكون مع الولايات المتحدة، وبدرجة أقل الاتحاد الأوروبي، لأن المسألة تتعلق في حقيقة الأمر بالأمن الأوروبي خاصة، والعلاقة بين روسيا والغرب بصفة عامة.
ولكن الأهم في هذا الصدد هو ضرورة استبعاد ما يعدّه أيٌّ من الأطراف هزيمة له، ما يعني عدم الإصرار على عودة روسيا إلى الوضع السابق على اندلاع الصراع، أي التخلي عن الأراضي في شرق وجنوب أوكرانيا، التي تعدّها روسيا حيوية لأمنها، وهي منطقتا دونباس وخيرسون، من دون مراعاة مشاغلها الأمنية. أما بالنسبة لأوكرانيا، فمن الصعب عليها التنازل عن سيادتها على تلك المناطق من دون الحصول على ضمانات باحترام حدودها المعترف بها دولياً. وبين هذين الموقفين اللذين يبدوان متعارضين، هناك إمكانية للدبلوماسية الخلاقة التي تراعي مشاغل موسكو الأمنية وحرصها على وضع الأقلية الروسية في شرق أوكرانيا، وفي ذات الوقت إيجاد صيغة مبتكرة تؤكد احترام سيادة أوكرانيا على كامل أراضيها، مع الإقرار بنفوذ روسيا في المناطق التي تعدّها موسكو ذات أهمية بالنسبة لأمنها، وهو ترتيب لن يتحقق إلا في إطار تفاهمات جديدة بشأن منظومة الأمن الأوروبي.
وهنا تكمن أهمية تحديد واشنطن أهدافها، خصوصاً ما إذا كانت مصرّة على إضعاف روسيا من خلال استنزافها في أوكرانيا، أو أن هدفها هو إيجاد صيغة جديدة لتحقيق الأمن والاستقرار في أوروبا. في الحالة الأولى سيكون تحقيق تسوية في أوكرانيا بعيد المنال. أما في الحالة الثانية فسيكون ذلك ممكناً.
وهنا تبرز أهمية الوضع الداخلي في الولايات المتحدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالانتخابات. فانتخابات الكونغرس النصفية ستُعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، والتوقعات تشير إلى أن الحزب الديمقراطي ربما يخسر الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، ومن ثم قد تجد إدارة بايدن نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف متشددة تجاه موسكو، تمنع إمكانية تقديم تنازلات تسمح بالتوصل إلى تسوية سياسية، وذلك حتى لا تُتهم بالضعف تجاه موسكو من الحزب الجمهوري.
فإذا لم تُظهر الإدارة الأميركية الرغبة في التوصل إلى تفاهم مع روسيا خلال الفترة القليلة القادمة، وتم تأجيل التسوية إلى ما بعد الانتخابات، فإن ذلك لن يؤدي فقط إلى زيادة معاناة الشعب الأوكراني، بل قد يعقّد الأمور بطريقة تجعل التسوية السياسية بعيدة المنال. وفي غضون ذلك، سيستمر العالم بأسره في تحمل العواقب الوخيمة للأزمة في أوكرانيا، بما في ذلك تصاعد احتمالات حرب باردة جديدة بين الغرب من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو