ماذا فعل محمد محمد حسين ليتفادى التشهير الديني به؟

ماذا فعل محمد محمد حسين ليتفادى التشهير الديني به؟

الأحد - 21 شوال 1443 هـ - 22 مايو 2022 مـ رقم العدد [15881]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

الذي شجع محمد محمد حسين على إفراد فصلين من فصول رسالته للماجستير (صناجة العرب، أعشى قيس)، وهما فصلا شعر الخمر وشعر الناقة في كتاب مستقل اسمه (أساليب الصناعة في شعر الخمر وشعر الناقة بين الأعشى والجاهليين) في ظل تحوله إلى اتجاه ديني متزمت ومتطرف، هو أن في الدين تتوفر آلية تخريج تتمثل في إظهار «الأوبة»، مما سيرفع عنه الحرج الديني والأخلاقي أمام جمهوره الإسلامي، الذي هو في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات الميلادية كان جديداً عليهم وهم كانوا جديدين عليه. وهو في الأصل أكاديمي متخصص في الشعر الجاهلي بلا جمهور، فكتاباه عن الهجاء والهجّائين في الجاهلية وفي صدر الإسلام وكتابه (ديوان الأعشى الكبير، ميمون بن قيس)، الذي شرح فيه هذا الديوان وعلق عليه، لم يقرأها سوى بعض الأكاديميين وبعض طلاب الدراسات العليا المعنيين بالشعر الجاهلي.
وكتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) الذي غير فيه تخصصه في جزئه الأول (من الثورة العرابية إلى قيام الحرب العالمية الأولى) الصادر عام 1954، اطلع عليه بعض الأكاديميين المهتمين بالاتجاهات السياسية والفكرية في مصر الحديثة.
تلك الآلية التي أشرت إليها نجدها في الهامش الذي كتبه في مقدمة الكتاب عند إشارته إلى كتابه (الهجاء والهجاءون في الجاهلية).
يقول في هذا الهامش:
«أرجو أن أنبه في هذا الموضع إلى أن في الفصلين المكتوبين عن (الهجاء الديني) وعن (حسان بن ثابت) انحرافاً أرجو أن أتداركه في الطبعة الثانية إن شاء الله. كما أن الفصلين الأول والثاني من (الهجاء والهجاءون في صدر الإسلام) لم يسلما من ذلك في بعض المواضع، وإن جعل الله في العمر بقية رجوت أن أصلح ما أفسدت».
إن التوبة الدينية لتكون كاملة وصادقة كان يتوجب عليه في هذه المقدمة أن يستدرك على نفسه دينياً وأخلاقياً، فيفصح أنه دس معظم فصول رسالته للماجستير في رسالة الدكتوراه وفي اخراجه لديوان الأعشى، ويسأل الله المغفرة عن هذا الذنب الذي اقترفه.
في الطبعة الثانية من كتابه (الهجاء والهجاءون في الجاهلية) الذي صدر عام 1969، وكتابه (الهجاء والهجاءون في صدر الإسلام) الذي صدر عام 1971، كان قد أعاد صياغة فصلي (الهجاء الديني) و (حسان بن ثابت) على نحو كامل وجذري، فبعد أن كانت الصياغة صياغة علمانية في الطبعة الأولى أصبحت الصياغة في الطبعة الثانية صياغة إسلامية مختلفة كلياً عن صياغاته في الطبعة الأولى. وكذلك أجرى تعديلات كثيرة في الكتاب الثاني وفق تحوله الفكري الجديد. وذلك لقطع الطريق أمام من سيعامله بالمثل، فيشهِّر به دينياً، دفاعاً عن شخصيات ذات نزعة علمانية وأخرى ذات نزعة إسلامية آذاها بعدوانيته الدينية وعدوانيته الوطنية السياسية وعدوانيته الثقافية العقائدية، في مقالاته الأزهرية التي جمعها في كتابه (حصوننا مهددة من داخلها – في أوكار الهدامين) الصادر عام 1967، وفي الطبعة الثانية للجزء الأول من كتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر – من الثورة العربية إلى قيام الحرب العالمية الأولى)، وفي الطبعة الأولى من الجزء الثاني لهذا الكتاب (من قيام الحرب العالمية الأولى إلى قيام الجامعة العربية) الصادرين عام 1962، وفي كتابه (الإسلام والحضارة الغربية) الصادر عام 1969.
في الطبعة الثانية للجزء الأول من كتاب (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، عمل تعديلاً لفصله الخامس (نزاعات إصلاحية) وتعديلاً أقل في بقية فصوله يتسق مع تحوله الديني المتزمت والمتطرف. وفي كتابيه عن الهجاء والهجائين في الجاهلية وفي صدر الإسلام – كما أشرنا – قلب فصلي (الهجاء الديني) و (حسان بن ثابت) رأساً على عقب. فلماذا – على الأقل - لم ينقح دينياً كتابه (أساليب الصناعة في شعر الخمر وفي شعر الناقة بين الأعشى والجاهليين) في طبعته الأولى الصادرة عام 1960، وفي طبعته الثانية الصادرة عام 1972، التي غير فيها كلمة «الناقة» إلى كلمة «الأسفار»؟
السبب ليس لأنه أراد أن يكون موضوعياً مع نفسه ومع القارئ في هذا الكتاب، بل لأنه كان مستفزاً من تعرض هذين الفصلين للنهب من قبل رسائل علمية، نظراً إلى أنهما كانا غير منشورين في كتاب مطبوع له، فأراد أن يثبت حقه الأدبي والعلمي بإحكام، فلا يفتح ثغرة على نفسه باللجوء إلى التنقيح الديني، فنشرهما بالصورة التي ظهرا بها في مخطوطة رسالة الماجستير.
لكن هذا لا يعني أن هذا الكتاب قد خلا تماماً من التنقيح الديني.
ففي صفحة 12 من الكتاب قال: «أما حسان – رضي الله عنه وغفر له – فهو رفيق الأعشى في الجاهلية، قبل أن يكرمه الله بالدخول في الإسلام والدفاع عنه».
في الطبعة الأولى من كتابه (الهجاء والهجاءون في الجاهلية) كان لا يترضّى عن حسان بن ثابت، ولم يسأل الله له المغفرة عند الحديث عنه في الفصل الأخير من هذا الكتاب. وجملة «قبل أن يكرمه الله بالدخول في الإسلام والدفاع عنه» جملة أضافها إلى النص الأصلي.
ففي الطبعة الأولى من ذلك الكتاب لم يحكم لحسان بن ثابت في أي موضع ذكر فيه اسمه بعد إسلامه، بأنه قد حسن إسلامه.
يقول عن شعره بعد إسلامه: «قارئ شعر حسان في هذا الطور من حياته، يلمس ظاهرتين بارزتين، عصبيته اليمنية وفتور عاطفته وتكلفه فيما يمس النواحي الإسلامية. أما عصبيته فلم يكن حسان ليدعها بحال، ولم يستطع الإسلام أن ينسيه إياها. فهو يمني أولاً، ثم مسلم بعد ذلك».
«كان حسان يكره المضرية، ويبغض هذا النفر من المهاجرين، لا يراهم إلا قد لجأوا إليهم مجتمعين. فهو ينفس عليهم ما يصيبون من خير، وما يستمتعون به من عطف النبي وحبه».
وقبلها كان قد رأى أن دخوله إلى الإسلام أنهى «حياته الجميلة».
«حياته الجميلة» حدد بدايتها برحيله إلى الغساسنة في الشام «متكسباً عندهم بالمدح، متقرباً إليهم بنسبه في اليمن»، ثم عدد صورها وأسبابها قائلاً: «وفي ربوع الشام، وبين جنباتها وقطوفها، وعلى ضفاف بَرَدَى، وفي أحضان الجبال الخضراء المكللة بالثلوج، قضى حسان أجمل فترات حياته، مطمئناً إلى هذه الحياة المترفة الناعمة، مفتوناً بالمناظر الطبيعية الساحرة، التي لا عهد له بها في الجزيرة القاحلة، وقد أطلقت الخمر لسانه، ورقق الجمال حسه، فسخت نفسه بأحسن ما قال من شعر، ووصله الغساسنة بأجزل ما نالت يداه من صلات».
ويتأسى على «حياته الجميلة» في أيام الجاهلية، قائلاً: «ونسدل الستار عن هذه الأيام، وندع حسان في هذا الشباب المترقرق، الذي يفيض لذة وشعراً، لنستقبله مرة أخرى، وقد تقدمت به السن، ودخل فيما دخل فيه قومه من أمر هذا الدين الجديد».
فالسبب العام لدخوله في الإسلام – كما نرى - أنه كان مسوقاً بالجبر – لا بإرادته – للدخول فيه.
أما السبب الخاص فهو، كما في هذا الشرح: «يأتي الإسلام فإذا حسان شاعر كبير له شهرة ونفوذ، وهو محتاج إلى لسان قوي، وصوت نافذ، يدفع عنه هذه الهجمات التي تأتيه من كل مكان، وقد تألّفت عليه القبائل، وأغرت به محاربيها وشعراءها على السواء فيتألفّه النبي، ويخصه بعطفه، ولا يجد بدّاً من أن يكون شاعر قومه في الإسلام (يقصد قبيلة الخزرج) كما كان شاعرهم في الجاهلية، فيمضي في هذا التيار الجديد، مسجلاً حروبهم في سبيل نصرة جارهم الذي أخذوا على أنفسهم حمايته، ولكنه يظل جاهلياً في صميمه بعيدا عن التأثر الصادق بالإسلام، فهو إذا رثى النبي، وجدت رجلاً يبكي ما ضاع من رزقه ورزق عياله».
في حين أنه في «حياته الجميلة» أيام الجاهلية «كان مخلصاً لآل غسان، لأنه كان متعصباً ليمنيته، فهو يراهم أهله وعشيرته، ومادة فخره، وموضع اعتزاز واعتداده، ولأنه قد أحب الشام، وتعلق بكل ما فيها».
ويعزو فتور عاطفته الإسلامية إلى سببين هما أنه «رجل قد شب وشاب في الجاهلية، ثم دخل في الإسلام وقد تم تكوينه الخلقي والفني، واتخذ مزاجه شكلاً لا سبيل إلى تحويره أو تعديله».
وأن الإسلام «قطع ما بينه وبين الشام، وكان يحبها ويتعلق بها. وحرمه عطاء ملوكه، وكان وافراً جزلاً. وحال بينه وبين هذه الحياة اللاهية المترفة، التي لم يزده البعد عنها إلا شوقاً إليها».
ولأنه لم يكن له فسحة في الترضّي على حسان عند ذكر اسمه في كتابه (أساليب الصناعة في شعر الخمر وشعر الناقة بين الأعشى والجاهليين)، في غير الصفحة التي ذكرنا رقمها، إذ كيف يترضى عليه في سياق جملتين كهاتين – على سبيل المثال - «ولا نكاد نستثنى من الجاهليين غير ثلاثة شعراء فصلّوا في الخمر بعض التفصيل: أولهم حسان بن ثابت...»، «أما حسان فهو أكثر الجاهليين خمراً بعد الأعشى»، أو في سياق موازنات بين قصيدة أو بيت شعرى له في الخمر وبين خمريات للأعشى ولشعراء جاهليين آخرين، أقول لأنه لم يكن له فسحة في الترضّي عليه فإنه عوّض ذلك في فهرس الأعلام والقبائل والمواضع، ففتح هلالاً إلى جوار اسمه في هذا الفهرس، وكتب فيه جملة «رضي الله عنه». وهذه الجملة أيضاً أضافها إلى نص الفهرس الأصلي.
في فصل (الهجاء الديني). في كتابه (الهجاء والهجاءون في الجاهلية) توصل إلى أن الإسلام لم يكن له أثر كبير في تطور فن الهجاء أو غيره من فنون الشعر. وتوصل إلى أن العناية بالدعاية للدين كان له أثره في نمو فن الهجاء وعنفه ولكنه – كما قال: «لم يترك أثراً واضحاً في أسلوب هذا الفن، فقد ظل كما كان جاهلياً في صميمه، معتمداً على الأنساب، والتعيير بضعف العصبية، وخمول الذكر، والعجز عن حماية الجار، والاستسلام للمهاجمين من الأعداء، والقعود عن الثأر، إلى أمثال هذه الخصال التي تصور المثل الجاهلية. ولم يتأثر بالمثل الدينية الجديدة في قليل أو كثير. ولم يحرص النبي على توجيه الهجاء هذه الوجهة الجديدة، فهو يدل حسان على أبي بكر ليعينه في أنساب قريش، ويدله على عوراتهم».
وقال: «إن الهجاء الذي لازم الدعوة قد ظل معتمداً على المثل الجاهلية، وإن الهجاء في القرآن هو وحده الذي يقوم على مثل دينية إسلامية».
وذهب في هذا الفصل إلى أن «الإسلام – وهو الدين العربي – كان متأثراً بالمثل الجاهلية إلى حد بعيد».
وعلى أساس هذه النظرة أدرج عصر النبوة والشعراء المخضرمين في دراسته للهجاء والهجائين في عصر الجاهلية، ولم يدرجها في دراسته للهجاء والهجائين في صدر الإسلام، فجعلهم جاهليين، باعتبار نشأتهم وبيئتهم. وهذا ما نبّه عليه في مقدمة الجزء الأول.
هذه بعض الآراء من فصل (الهجاء الديني)، وتلك بعض الأمثلة من فصل (حسان بن ثابت) التي أوردنا قليلاً من كثير منها في هذين الفصلين. وهو ما عناه بقوله السالف عن الجزء الأول من دراسته: أن فيه «انحرافاً» يرجو أن يتداركه في الطبعة الثانية، وأن الجزء الثاني لم يسلم من «الانحراف» في بعض المواضع.
ففي هذين الفصلين فسّر نشأة الإسلام الأولى تفسيراً سياسياً تاريخياً، ليس فيه قدر طفيف من الاعتقاد بالغيب الإلهي ومن الإيمان بالروحانية الدينية ومن النبض بالعاطفة الإسلامية. وبهذا المنهج وبهذه الروح قرأ شعر حسان بن ثابت وحياته بعد إسلامه والذي كان مثاله البارز في الهجاء الديني. وفي آلية التخريج في الهامش المذكور حاول أن يقلل من حجم ما عده «انحرافاً» مع أن الفصلين في بنائهما الأساسي وفي تفصيلاتهما قائمان على ما سماه «انحرافاً» من أول سطر خطّه في فصل (الهجاء الديني).
يقول: «هذا قسم من الهجاء السياسي، صاحب الحركة الإصلاحية الخطيرة، التي بدأت في الجزيرة بظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ودعوته إلى دين جديد. فقد كان للإسلام إلى صفته الدينية صفة سياسية، تهدف إلى توحيد الجزيرة، وخلق دولة كبيرة منها، تخضع لسلطة مركزية واحدة».
هذه الأسطر التي بلغ عددها في الطبعة الأولى من كتابه أربعة أسطر وبلغ عدد أسطر شرحها تسعة أسطر حذفها وكتبها من جديد في الطبعة الثانية من هذا الكتاب.
في هذه الطبعة نسف في البداية ما قرره من أن الهجاء الديني قسم من الهجاء السياسي وقسمه الآخر الهجاء القبلي، فقال في أول سطر عن الهجاء الديني: «هذا لون من الهجاء صاحب ظهور الإسلام، واختلف عن الهجاء السياسي أو القبلي الذي صورناه من قبل، في أغراضه وفي أهدافه، واختلف عنه تبعاً لذلك في روحه وأسلوبه».
ونسف في هذ الطبعة ما قرره – وإن احتال في التعبير عن هذا الرأي - من أن الإسلام دين سياسي لا دين روحي. وهذا رأي بعض المستشرقين الذين عاداهم عن بكرة أبيهم وعادى كل آرائهم بالمطلق، ابتداءً من منتصف الخمسينات الميلادية.
وسأورد لكم فواتح هذا النسف:
«كان من صنيع الله العليم الحكيم للإسلام».
«هو دين ودولة. دين يحفظ الدولة من الانحراف ويعصم الناس والسلطان من الضلال والفساد».
«وقد امتحن الله المسلمين بالشر والخير، وقلّبهم بين النصر والهزيمة، وبين الخوف والرجاء».
«أُذن للرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة من مكة إلى المدينة حين استفحل خطر الكفر فأصبح منذراً بتهديد حياته وحياة صحبه...».
«وكان هم النبي الأول – هو رئيس هذه الدولة – أن يوحد صفوف حزبه، ويجعل منهم كتلة متماسكة».
قد تكونون لحظتم أنه صلّى على النبي في السطور الأولى من موضوع (الهجاء الديني)، فترون فيها طيفاً خافتاً من العاطفة الإسلامية. والحق أنه صلّى عليه في هذا الموضع، وصلّى عليه مرة ثانية في موضع تلاه بعد صفحة واحدة. إذ قال: «وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يفاجئ قومه بالتشريع دفعة واحدة. فهو يعتمد على تقاليدهم القديمة، ولكنه يحتال في توجيهها وتهذيبها، ويتلطف في قيادتها للخير»، لكنه لم يصلِّ عليه في بقية المواضع الأخرى في هذا الفصل، ولا في فصل (حسان بن ثابت) قط حين يجري ذكره. وقبلها لم يصلّ عليه في الفصول التي سبقت هذين الموضوعين التي ذكر فيها النبي ثماني مرات، ولا مرة واحدة.
إن التصلية على النبي في ذينك الموضعين عند نشره الجزء الأول من دراسته عن الهجاء والهجائين في عصر الجاهلية، كانت لخشيته من اتهامه بالكفر، وللرد على من يثير عليه هذه التهمة بأنه صلى على النبي ابتداءً، وهذا يقطع بأنه مؤمن به وبرسالته. ولا ننسى أن العقد الذي نشر فيه كتابيه غير بعيد زمناً عن العقد الذي اتهم أستاذه طه حسين فيه بالكفر بعد نشره محاضراته (في الشعر الجاهلي) في كتاب عام 1927. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو