السمنة جائحة تجتاح الدول الفقيرة

السمنة جائحة تجتاح الدول الفقيرة

الثلاثاء - 8 شوال 1443 هـ - 10 مايو 2022 مـ رقم العدد [15869]

قد لا تلاحظ ذلك من الطريقة التي أدى بها التضخم والصراع والجائحة إلى ارتفاع تكلفة الغذاء في السنوات الأخيرة؛ لكن شبح الجوع الذي ظل يلازم البشرية لآلاف السنين على شفا هزيمة كبرى.
في البلدان متوسطة الدخل، انخفض عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية بمقدار الربع تقريباً، أو 162 مليون شخص، بين عامي 2006 و2020. ويعتبر هذا أكثر من كافٍ لتعويض الزيادة البالغة 43 مليوناً داخل الدول منخفضة الدخل، والتي تقع معظمها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
في الصين، موطن معظم أكبر المجاعات في التاريخ، أصبح انتشار تقزم الأطفال -مؤشر نموذجي لسوء التغذية- الآن بمستويات مماثلة لما هو قائم داخل الولايات المتحدة. أما الهند، فقد جاء التحول بها دراماتيكياً. عام 2006، كان أكثر من ثلث النساء يعانون من نقص الوزن؛ إلا أنه بحلول عام 2019، انخفض هذا الرقم إلى قرابة النصف.
ومع ذلك، ثمة اتجاه مقلق يجري في خلفية هذه الأرقام، ذلك أن نسبة النساء الهنديات اللائي يعانين من زيادة الوزن ارتفعت بمقدار الضعف تقريباً، لدرجة أن هذه النسبة اليوم أصبحت تتجاوز من يعانون نقص التغذية.
اللافت أن الصورة نفسها قائمة بين الرجال. داخل الدول ذات الدخل المتوسط؛ حيث يعيش ثلاثة أرباع البشرية، يتلاشى بلاء نقص التغذية، ويحل محله تفشٍّ سريع لجائحة السمنة، إلى جانب جميع المشكلات المصاحبة لها، مثل مرض السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
ولا يزال يتعين على العالم أن يضع في حسبانه هذه المشكلة الناشئة. في خضم جهود التعامل مع الجوع، هناك بنية تحتية عالمية جرى إرساؤها بشكل أو بآخر منذ الحرب العالمية الأولى، عندما أطلق هربرت هوفر حملة غذائية جماعية لبلجيكا المحتلة. وقد قدم الوريث الرئيسي لجهود الإغاثة، «برنامج الأغذية العالمي»، 4.2 مليون طن متري من الغذاء عام 2020؛ إلا أننا نفتقر إلى موارد مشابهة تمكننا من التعامل مع الجائحة القادمة.
جدير بالذكر هنا أن التخفيف من الجوع في البلدان الفقيرة يجري سداد ثمنه جزئياً من خلال الإعانات الريفية في الدول الغنية. وتوفر مدفوعات المزارع الأميركية والسياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي الدخل للمزارعين، وتولد فوائض غذائية يجري تصديرها إلى الأماكن الأشد احتياجاً. ومع ذلك، فإن معالجة آثار زيادة الوزن والسمنة المتفاقمة داخل العالم النامي ستقع على عاتق البلدان التي تحدث فيها هذه الظاهرة.
وغالباً ما يجري النظر إلى نجاح العالم في منع الجوع على أنه دحض لآراء رجل الاقتصاد في القرن التاسع عشر توماس مالتوس، الذي رأى أن مجاعة جماعية ستنتج حتماً عن نمو السكان بشكل أسرع من الناتج الزراعي. في الواقع، فإن المد المتزايد من السمنة دليل على أن الحدود الصارمة لإنتاج الغذاء التي تصورها مالتوس أشد إلزاماً عما نعتقد.
وفي إطار التغذية الإضافية التي تمكنت البلدان النامية من الحصول عليها لإطعام سكانها على مدى العقود القليلة الماضية، جاءت حصة كبيرة من السعرات الحرارية الأقل تكلفة (الدهون والسكريات ومنتجات الحبوب)، في المقابل، فإن الطاقة الموجودة في الخضراوات ذات الأوراق الخضراء الداكنة أكثر حوالي 29 مرة من الدهون والزيوت، في حين أن السعرات الحرارية في الخضراوات الغنية بفيتامين «أ» مثل اليقطين أو المانغو، تكلف حوالي 10 أضعاف ما يعادلها من السكر.
الملاحظ أن عديداً من البلدان التي تشكل فيها الدهون المشبعة النصيب الأكبر من مدخول الطاقة ليست الدول الغنية؛ بل الدول الأكثر فقراً في جنوب شرقي آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، والجزر الصغيرة. وعند تدقيق النظر يتضح أن ما يحدث، في كل من البلدان الفقيرة والغنية، أن الناس يبحثون عن سعرات حرارية أقل تكلفة لإضافتها إلى وجباتهم الغذائية، وهؤلاء لا يميلون إلى بناء نظام غذائي متوازن.
وتظهر التأثيرات بشكل أكثر وضوحاً في ظهور مرض السكري، فقد فاقت معدلات مرض السكري داخل مصر والمكسيك وباكستان بالفعل نظيرتها داخل الولايات المتحدة. ومع أن أسباب الإصابة بالسكري لا تزال غير مفهومة تماماً، فإن الانتقال إلى نمط حياة أكثر استقراراً وغنياً بالسعرات الحرارية؛ خصوصاً فيما يخص الأشخاص الذين عانت أمهاتهم من سكري الحمل أثناء الحمل، يعد عامل خطر رئيسياً، تبعاً لما أفاد به بول زيميت، أستاذ مرض السكري في جامعة موناش في ملبورن.
اليوم، يشهد العالم تحولاً مشابهاً لما شهده في أوائل السبعينات، عندما كان زيميت يعمل في جزيرة ناورو في المحيط الهادئ، والتي كانت في ذلك الوقت ولفترة وجيزة واحدة من أغنى دول العالم، بسبب قفزة في صادرات الأسمدة الفوسفاتية.
وعن ذلك قال: «كانت هناك ثروة مفاجئة دفعتهم إلى وضع جعل هناك الكثير من الطعام، ولكن ليس الكثير من المنشآت الرياضية». وآنذاك، جرى نقل زيميت على متن طائرة الرئيس الخاصة لإجراء فحوصات، وبعد يوم أصبح من الواضح أن ما بين 20 في المائة و30 في المائة من السكان يعانون من مرض السكري، وذلك لأن الأموال التي كانت لديهم استثمرت في الطعام والسيارات. كان الناس يخرجون من محلات «السوبرماركت» بعربات محملة بالأرز ولحم البقر.
ومثلما الحال مع ناورو، فإن تفاقم أعداد المصابين بمرض السكري في جميع أنحاء العالم يبدو نوعاً شريراً من قصص النجاح. إذا كنت تعاني من نقص التغذية في مرحلة البلوغ، فإن احتمالات إصابتك بمرض السكري من النوع 2 أقل بكثير. وإذا كنا نواجه وباء السكري الآن، فذلك لأن العالم قد نجح بشكل ملحوظ في التحول من حالة ندرة الغذاء إلى حالة وفرة.
ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 1990 على الأقل، وحظر إندونيسيا صادرات زيت النخيل لتهدئة تكلفة دهون الطهي، قد يبدو نقص التغذية المشكلة الأكثر إلحاحاً الآن. ومع ذلك، فإن السمنة ليست عدواً للجوع بقدر ما هي شقيقة له، فهي عرض آخر لعالم غير قادر على تزويد شعبه بالتغذية التي يحتاجونها كي يتمكنوا من عيش حياة صحية. وفي السنوات المقبلة، يبدو هذا التهديد في طريقه نحو التفاقم.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو