الصراع حول المسجد الأقصى... ديناً وسياسة

الصراع حول المسجد الأقصى... ديناً وسياسة

الثلاثاء - 1 شوال 1443 هـ - 03 مايو 2022 مـ رقم العدد [15862]

فرض الفلسطينيون إرادتهم بالصلاة الجامعة ليلة القدر في المسجد الأقصى. الحشود الهائلة التي تجاوزت ربع مليون مصلٍ وفقاً للتقديرات الميدانية، لم تخلُ من دلالات مهمة دينياً وسياسياً. فعلى رغم من كل القيود التي فرضها الأمن الإسرائيلي حول المسجد الأقصى وفي كل الطرق المؤدية إليه، نجح هذا العدد الكبير في الوصول إلى باحات المسجد وما حوله وأقاموا شعيرة دينية مقدسة لدى المسلمين في أنحاء المعمورة كافة. ولم يخلُ الأمر من مضايقات واستفزازات اعتاد عليها المحتلون منذ العام 1967، لكن إرادة التحدي تغلبت وأثبتت جدارتها.
المسألة ليست مجرد إقامة الصلاة، بل أكثر من ذلك، مبدأ الثبات والتحدي والتمسك بالحق ومواجهة كل عمليات تزييف التاريخ، ورفض التهويد ومناهضة فرض قواعد حياة وسلوك جديدة تناقض حقوق المسلمين في قبلتهم الأولى، هي الرسالة الأوضح والأكثر قيمة وأهمية. تلكما القيمة والأهمية نابعتان من الوضع الذي تمر به القضية الفلسطينية ككل، وطموحات المشروع الصهيوني في بعديه الديني والسياسي، وتراجع الاهتمامين الدولي والإقليمي بالقضية الفلسطينية كمصدر للتوتر والقلاقل وربما الحروب في المنطقة، فضلاً على نشوء أجيال فلسطينية عاشت في ظل الاحتلال وناقمة على مجمل الحالة الفلسطينية، وتتصاعد في مشاعرها وإدراكاتها الرغبة والإرادة في التحدي، وفي تغيير قواعد الاشتباك مع الاحتلال، ومع القوى المهيمنة على القرار الفلسطيني، والتي تحمّلها هذه الأجيال الجديدة الناقمة مسؤولية الفشل بأبعاده المختلفة، وغياب الأمل وفقدان اليقين.
نقمة وغضب الأجيال الفلسطينية الصاعدة هما المقابل الموضوعي سياسياً وآيديولوجياً للتغول اليميني الإسرائيلي، ولفرط الثقة السائد لديهم في أن اللحظة الراهنة هي الأفضل لاستكمال المشروع الصهيوني في بعده الديني المتمثل في بناء الهيكل وفرض أمر واقع جديد يعبّر عن قوة إسرائيل وجبروتها. اليمين هنا ليس مجرد اتجاه قوي في المشهد الإسرائيلي، بل هو التيار الغالب والمتغول، وهو الحاكم والمتغلغل في بنية المؤسسات بما فيها القضاء والإعلام والأحزاب. ووفق خبرة السنوات العشر الماضية، فإن تسيد الليكود بزعامة نتنياهو، وإفساح المجال أمام الأحزاب الدينية التوراتية المناهضة لفكرة التعايش مع الفلسطينيين والرافضة لأي حلول تاريخية منصفة، والمتعطشة بجشع لا سقف له للاستيطان في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد تحول المجتمع بكامله إلى أن يكون أسيراً لهذا التيار، وحتى هؤلاء الذين فازوا في آخر انتخابات وشكلوا الحكومة الحالية بقيادة نفتالي بنيت، فهم أساساً نتاج طبيعي للسنوات السابقة، وفي الإجمال تيار فرعي من اليمين سلم السلطة إلى تيار فرعي آخر، ومن ثم تستمر حالة التعطش نحو تغييب كل الرموز الفلسطينية العربية بمكوناتها الإسلامية والمسيحية؛ وهو ما يؤشر إلى أن حالة المواجهة والتوتر ستظل هي الغالبة لمدى زمني غير قصير.
تتجسد سياسة الاحتلال أياً كانت الحكومة الإسرائيلية وأياً كان رئيسها وحزبه، لا سيما بالنسبة للقدس المدينة وللمسجد الأقصى في محاصرة المدينة القديمة، ودفع أصحابها الأصليين للهجرة وترك عقاراتهم، وتيسير كل الإجراءات، بما في ذلك تزوير الوثائق وإصدار أحكام قضائية واجبة النفاذ فوراً لغرض شراء منظمات صهيونية لما يمكن شراؤه من مبانٍ وعقارات فلسطينية تاريخية، ومنع الفلسطينيين من ترميم مساكنهم، ورفض أي ترميم في المسجد الأقصى أياً حجمه صغيراً أو محدوداً، كإصلاح كهرباء أو تغيير مساحة محدودة من البلاط أو تغيير سجاد الصلاة، واعتقال الموظفين التابعين لإدارة الأوقاف الأردنية، الممثلون للوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية إذا ما تجاهلوا القيود الإسرائيلية.
مصير القدس في أبسط وصف له، أنه قضية معقّدة، تتصارع فيها اعتبارات التاريخ والقيم الدينية والرؤى الأسطورية الصهيونية. ومن حيث مبادئ القانون الدولي هي أرض محتلة وجزء رئيسي من مجمل الأرض المحتلة في العام 1967، لا يجوز لسلطة الاحتلال أن تغير معالمها الجغرافية والدينية والسكانية. وهو ما لم يحدث. فالقانون الدولي بكل رموزه ومعاهداته ومؤسساته ليس غائباً وحسب، بل لا وجود له. الاحتلال الإسرائيلي وممارساته المناقضة لأبسط قواعد القانون الدولي لا تُواجه سوى بالإدانات الهامشية بين الحين والآخر، من دون أي تأثير على الأرض؛ ما يفتح الباب أمام مجهول كبير، لا سيما في ظل القناعات الجديدة المتبلورة لدى الأجيال الفلسطينية الصاعدة، سواء في الأرض المحتلة أو في المجتمع الفلسطيني وراء الخط الأخضر.
أحد أبعاد المجهول يتعلق بالوصاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية، وأهمها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة والمسجد المرواني، فضلاً عن مائة موقع آخر ديني إسلامي ومسيحي. والتي تعني دوراً خاصاً للأردن في الحفاظ على الهوية التاريخية لتلك المساجد والكنائس، والقيام على أمور حمايتها وضمان تسيير شؤونها بما يخدم أغراضها الدينية وضمان أمن المصلين والعاكفين. يقابل الوصاية الهاشمية المفهوم الإسرائيلي حول التقاسم الزمني والمكاني، والذي تعود جذوره إلى قرار إحدى القاضيات الإسرائيليات في العام 1976 بما وصفته حق اليهود في الصلاة في المسجد الأقصى. القرار تلقفته منظمات الاستيطان والأحزاب الدينية بالتأييد وعملت منذ ذلك الوقت على تطبيقه من خلال اقتحام حرم المسجد الأقصى وممارسة شعائر دينية في باحاته تحت حراسة الشرطة الإسرائيلية؛ ونظراً لأن تلك الاقتحامات تثير مواجهات مع الفلسطينيين، تبلورت فكرة تقسيم زماني ومكاني يحدد خلاله ساعات معينة وأماكن معينة لصلاة المسلمين وأخرى لغيرهم.
وعلى الرغم من أن لا قرار حكومياً واضح في هذا الشأن، لكن على صعيد الممارسة تتجه الأمور إلى فرضه واقعياً. وبما يجعل المسجد الأقصى ذا هوية دينية مختلطة وتغيب عنه سمته الرئيسية كمسجد خالص للمسلمين.
والأخطر في هذا السياق، ما حاولته مجموعات يهودية مسيانية ذبح القرابين داخل باحات المسجد في عيد الفصح اليهودي الذي تزامن مع مطلع شهر رمضان المعظم. وتؤمن تلك المجموعات بأن الهيكلين الأول والثاني موجودان أسفل المسجد الأقصى، وأن إعادة بناء الهيكل تتطلب هدم المسجد الأقصى. وثمة مجموعات أخرى تسعى لاستصدار قرار قضائي آخر يشرعن ما يعتبرون الحق في الصلاة الصامتة أثناء الاقتحامات بحماية الشرطة.
الأردن من جانبه يرفض الممارسات الإسرائيلية رفضاً باتاً، وأجرى الكثير من الاتصالات وكذلك فعلت مصر؛ من أجل الحفاظ على وضع هادئ تقام فيه الشعائر الإسلامية في الشهر الفضيل.
لكن تبقى لدى عمان إشكالية استمرارية الوصاية الهاشمية؛ إذ من الناحية العملية، فإن الممارسات الإسرائيلية من قِبل الشرطة والمستوطنين وجماعات الهيكل، تتحدى الوصاية الهاشمية، وذلك رغم أن اتفاقية وادي عربة 1994 تقول باحترام إسرائيل الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. وهو النص الذي يراه دارسون وخبراء قانونيون أردنيون أقل قيمة من تعبير «تعترف إسرائيل» أو «تقر» بالوصاية الأردنية وتتعهد بعدم المساس بها. وتلك بدورها إشكالية أخرى إلى جانب ما يصدر في الداخل الإسرائيلي من تهديدات وتلميحات حول كون الأردن هو «الوطن البديل».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو