«تويتر»... من الرمضاء إلى النار!

«تويتر»... من الرمضاء إلى النار!

الاثنين - 1 شوال 1443 هـ - 02 مايو 2022 مـ رقم العدد [15861]

لقد أُهرق الكثير من الحبر في الحديث عن صفقة استحواذ الملياردير الأميركي إيلون ماسك على موقع التغريدات القصيرة «تويتر»، وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال؛ إذ يتوافر في هذه الصفقة الكثير من القيم الخبرية الجاذبة؛ بالنظر إلى أهمية الشركة المبيعة، ومكانة الشاري بصفته أغنى رجل في العالم، وأحد أكثر رجال الصناعة إثارة للجدل.
ورغم أن «تويتر» لا يحظى بعدد مستخدمين كبير مقارنة بغيره من الوسائط، ولا تتعدى قيمته السوقية 50 مليار دولار أميركي، ولا يُولد أرباحاً ضخمة لمالكيه، فإنه يتمركز في أفضل مكانة بين أقرانه من وسائط «السوشيال ميديا» عند الحديث عن قدرته على التأثير في الشؤون العامة.
وببساطة شديدة يمكن القول إن هذا الموقع الذي تم تدشينه قبل نحو 16 سنة أضحى خلال تلك الفترة القصيرة نسبياً أهم وسيلة اتصال حكومي في العالم؛ وهو في مكانته تلك استطاع مقارعة منافسين من عالمي الوسائط «التقليدية» و«الجديدة» ببراعة، ليهيمن على قطاع كبير من ساحة الأخبار السياسية وأجندة المحتوى الجاد.
ومن بين تلك الوسائط جميعها، سيختار معظم الساسة المتمرسين والصحافيين المحترفين وأفراد النخبة في عديد البلدان «تويتر»، ليدلهم على قائمة أولويات العالم عندما يستيقظون صبيحة كل يوم، بل أيضاً سيمكن لهؤلاء صناعة الأخبار، وممارسة السياسة، عبر منصته البسيطة والسهلة وشديدة النفاذ في آن.
بدأ العالم يشعر بأهمية «تويتر» وتعاظم تأثيره مبكراً، حين وجد قائداً مثل الشيخ محمد بن راشد يستخدمه في الإعلان عن تشكيلة حكومية جديدة، في عام 2013، لتنقل عنه الصحف والمحطات التلفزيونية ووكالات الأنباء الخبر لاحقاً. وبعد ذلك التاريخ بسنتين، كان وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف يستخدمه في الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بخصوص الملف النووي لبلاده.
وفي نهاية عام 2017، غرّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على «تويتر» قائلاً إن «الزر النووي موجود دوماً على مكتبي»، في إشارة إلى أن بلاده تحوّلت إلى قوة نووية، وأنه قادر على استخدام هذا السلاح ضد أي عدو بمجرد ضغطة على هذا الزر. ليرد عليه الرئيس الأميركي السابق ترمب بتغريدة تقول: «كيم جونغ أون قال لتوه إن الزر النووي موجود على مكتبه دوماً، ألا يبلغه أحد في نظامه المتهالك والمتضوّر جوعاً أنني أنا أيضاً لدي زر نووي، ولكنه أكبر وأقوى من زره، وأن زري يعمل».
كان ترمب هو نفسه الذي غرّد، في العام نفسه، قائلاً: «ربما لم أكن لأصل إلى البيت الأبيض لولا (تويتر)»، قبل أن يتم حظر حسابه لأسباب مُلتبسة؛ وهو الأمر الذي عكسته دراسات أجرتها مراكز بحوث معتبرة، حين أعلنت أن أكثر من 90 في المائة من قادة العالم، يستخدمون «تويتر»، في بث رؤى، ومعلومات، بل وقرارات ذات طابع سيادي.
وقبل عامين، وجدت منصة «ستاتيستا» (Statista) الألمانية المتخصصة في معلومات «الإنترنت»، أن 187 دولة بات لها وجود رسمي على «تويتر» من خلال حسابات شخصية أو مؤسسية يديرها رؤساء دول وحكومات، وأن 97 في المائة من تغريدات الحكومة الهولندية على هذا الموقع - على سبيل المثال - جاءت في صورة ردود على مستخدمين آخرين.
ورغم تلك الأهمية والمكانة المتصاعدة والفائقة، التي يكاد يتفق عليها الجميع، فإن كثيرين لم ينتبهوا إلى خطورة أن تتركز ملكية هذه المنصة المؤثرة والخطيرة في يد واحدة.
لم يكن «تويتر» خالياً من العيوب بطبيعة الحال، وقد تعرض لانتقادات واتهامات عديدة معظمها وجيه وموضوعي في شأن استخدامه معايير مزدوجة في ضبط المحتوى، أو استسلامه لانحيازات بعض القائمين على تشغيله، ومع ذلك فإن نمط ملكيته السابق كان أقل تركزاً وأكثر قابلية للتعامل مع دعاوى الإصلاح.
تمثل شركات التكنولوجيا العملاقة القائمة على تشغيل وسائط «السوشيال ميديا» أنموذجاً خطيراً للاحتكار، ويُعد استسلام العالم لتغولها وتوسعها وتركز ملكيتها في أيدي عدد قليل من المستثمرين خطراً كبيراً، وفي استحواذ إيلون ماسك على «تويتر» دافع جديد من دوافع القلق.
يحتفي البعض بصفقة استحواذ ماسك على «تويتر» من زاوية الاطمئنان لإعلانه الرغبة في تعزيز حرية الرأي والتعبير عبر تلك المنصة، أو احتمال إعادته حساب ترمب إلى العمل، لكن هؤلاء قد يعرفون الندم لاحقاً، عندما سينفرد هذا الملياردير المثير للجدل وحده بتعريف تلك الحرية وتحديد نطاقها، مع كل ما سيمارسه من سياسات لضمان الربحية ولتعزيز مصالحه.
«تويتر» أضحى منصة تؤثر في أعصاب العالم وتحدد أولوياته، وتركه في قبضة رجل واحد ستكون له عواقب خطيرة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو