وقف النار هو البداية في أوكرانيا

وقف النار هو البداية في أوكرانيا

الأربعاء - 4 شهر رمضان 1443 هـ - 06 أبريل 2022 مـ رقم العدد [15835]

عقد الوفدان الروسي والأوكراني الجولة الرابعة من اجتماعاتهما في قصر طولمة باغجة في إسطنبول في 29 مارس (آذار). وفي نهاية الاجتماع الذي انعقد على ضفاف البوسفور واستمر أربع ساعات، لاحظ كلا الجانبين إحراز بعض التقدم، وأن ثمة حاجة إلى تلقي تعليمات من الرؤساء.
وأفادت مصادر مطلعة بأنه خلال عملية التفاوض، طرح الجانب الروسي نصاً رفضه الأوكرانيون. وبعد ذلك، قدم الجانب الأوكراني نصاً خاصاً به يعكف الجانب الروسي حالياً على تقييمه.
ومنذ ذلك الحين، زادت الآمال في تحقيق اختراق والتوصل لوقف إطلاق النار. وفي الواقع، أشعر شخصياً بتفاؤل شديد الحذر.
والآن، كيف يُفترض أن تجري عملية التفاوض العادية؟
عادة، بعد اجتماع الخبراء أو الاجتماعات على المستوى الفني، وعندما يرون أن العمل قد نضج بما فيه الكفاية، يجتمع وزراء الخارجية. وأخيراً، يقر القادة الاتفاقية. ومع أن هذا التصور يبدو بسيطاً، لكن الحال على أرض الواقع ليس كذلك.
في المؤتمرات الدولية، ربما يتفق المفاوضون مبدئياً، لكنهم يظلون بحاجة للحصول على تعليمات. وربما يعتقد الجانبان أنهما اتفقا، ومع ذلك فإنهما ما بين عشية وضحاها يتلقيان تعليمات سياسية، ويتضح أن تفسيرهما لما جرى الاتفاق عليه مبدئياً مختلف تماماً. وعليه، فإن القاعدة الذهبية للمفاوضات تكمن في أن شيئاً لم يتفق عليه طالما أنه لم يجر الاتفاق على كل شيء.
ويبقى الأمر الأهم في هذه الأثناء التطورات الجارية على الأرض. ما حدث منذ إسطنبول أن القتال مستمر، لكن على نطاق محدود نسبياً. واللافت أن الروس انسحبوا من (أو استعاد الأوكرانيون السيطرة على) مناطق معينة، خصوصاً حول كييف. ويدور القتال في الوقت الراهن بشكل أكبر في الأجزاء الشرقية والجنوبية من البلاد، كما تجري بعض عمليات إجلاء المدنيين من ماريوبول.
من ناحيتها، تمكنت روسيا من ربط منطقة دونباس بشبه جزيرة القرم تقريباً. والآن، أصبحت تحظى بتواصل أرضي بين المناطق التي تمثل قلب المشكلة، وتحول بحر آزوف إلى بحر داخلي في روسيا.
إضافة لذلك، تستهدف روسيا أيضاً أوديسا، ويبدو أنها قد تحاول عزل أوكرانيا عن البحر الأسود، وتحويلها إلى دولة حبيسة أو غير ساحلية. وربما يكون الأمر كذلك، أو ربما تسعى روسيا من ذلك للحصول على بطاقة تفاوض إضافية.
والآن، ماذا عن المحتوى؟ يمكن تصنيف القضايا التي أصبح الجميع على دراية بها إلى حد ما الآن، ما بين «قضايا الأمن العسكري» و«القضايا السياسية». ويتميز بعضها بسهولة أكبر في التعامل معها عن أخرى تبدو أشد تعقيداً.
ويتمحور الموقف الروسي حول فكرة أن أوكرانيا لن تكون عضواً في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتتمسك بأن يكون لها وضع محايد وغير نووي. وترفض موسكو نشر قوات أو أسلحة أجنبية على الأراضي الأوكرانية.
ومع أن المطالب الروسية ليست بعيدة المنال، طلبت أوكرانيا، من جانبها، ضمانات دولية، تشرف عليها دول عدة باعتبارها جهات ضامنة. وتشير أوكرانيا إلى عدم نفاذ مذكرة بودابست لعام 1994، في ذلك الوقت، انضمت أوكرانيا إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (ما يعني التخلي عن جميع مطالباتها بأحقية امتلاك الأسلحة النووية على أراضيها والتحول إلى دولة غير نووية)، مقابل الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وروسيا بخصوص وحدة أراضيها وسيادتها. وتمثل الحرب الدائرة شهادة بفشل مذكرة بودابست.
وفيما يخص مسألة الحياد، فإن المثال الأشهر هنا هو النمسا، التي يرتكز وضعها المحايد على اتفاقية 15 مايو (أيار) 1955 بين النمسا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. وتفرض هذه الاتفاقية قيوداً على جميع أنواع المعدات العسكرية التي يمكن أن تمتلكها النمسا وتعمل على تطويرها.
في وقت لاحق، أقر البرلمان النمساوي قانوناً يعلن الحياد الدائم للبلاد، ويلتزم بعدم الانضمام إلى أي تحالف عسكري أو السماح بالانتشار الأجنبي على الأراضي النمساوية. وأصبح هذا القانون جزءاً من الدستور.
وإذا جرى تطبيق نموذج النمسا على الوضع الراهن، فقد لا تنضم أوكرانيا إلى الناتو، إلا أنها قد تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي. في الواقع، يبدو أن الرئيس زيلينسكي يفكر بجدية في استخلاص أكبر قدر من الفوائد الممكنة من هذه المأساة. وفي هذا الصدد، ذكر شروطاً مواتية لدخول أوكرانيا إلى الاتحاد. ورغم أنه من غير المحتمل أن تمنح أوكرانيا مساراً سريعاً لنيل عضوية الاتحاد، فربما يجري منحها نوعاً من العزاء أو الترضية.
وتبقى القضايا الإقليمية (القرم ودونباس) الأكثر تعقيداً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 هو إجراء غير قانوني ولم ينل اعتراف أي دولة. وبالمثل، فإن إعلان لوهانسك ودونيتسك الاستقلال لم يلق اعترافاً إلا من قبل روسيا ونظام الأسد في سوريا. أما الهدف الأكبر لروسيا، فيكمن في قبول المجتمع الدولي لهذه الأراضي باعتبارها جزءاً من روسيا.
من وجهة نظر المبادئ العالمية والنظام الدولي، فإن احترام وحدة أراضي دولة مستقلة وذات سيادة، وحرمة الحدود وعدم إجراء تغييرات عليها باستخدام القوة، من أساسيات القانون الدولي، وقد تعرضت هذه المبادئ للانتهاك على نحو صارخ.
وتشير التقديرات إلى فداحة الخسائر المدنية في الحرب، وذلك مع سقوط الآلاف قتلى، وفرار نحو أربعة ملايين أوكراني إلى الخارج، في الوقت الذي أصبح كثيرون منهم نازحين داخلياً، كما جرى استهداف المناطق المدنية والبنية التحتية. وتعد ماريوبول أكثر الأمثلة جلاءً على الدمار الذي لحق بالمدنيين. وبحسب التقديرات، تتراوح التكلفة الإجمالية للبنية التحتية المدمرة بين 500 و800 مليار دولار.
والتساؤل هنا: هل سيكون هناك تحقيق دولي في جرائم الحرب المزعومة؟ هل ستطالب أوكرانيا بتعويضات الحرب؟ إنها قضايا صعبة للغاية.
وبغض النظر عن الصورة التي ستكون عليها نهاية هذا الصراع، يبقى المؤكد أنه سيترك تداعيات دائمة على النظام العالمي والعلاقات الدولية.
وعليه، تأتي الطاقة والأمن الغذائي من بين أكثر القضايا إثارة للقلق، خصوصاً أن روسيا تعتبر ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، وثالث أكبر منتج للنفط. وتوفر روسيا نحو 40 في المائة من إمدادات الغاز الطبيعي التي تحصل عليها أوروبا.
علاوة على ذلك، تمثل روسيا وأوكرانيا، معاً، مصدراً لقرابة 30 في المائة من صادرات القمح العالمية، وما يتراوح بين 20 و25 في المائة من صادرات الذرة، وقرابة 80 في المائة من صادرات زيت دوار الشمس.
ولذلك، شدد كثير من الخبراء والحكومات على أنه جراء الحرب، ارتفعت أسعار الطاقة والسلع الغذائية، وتعطلت الاقتصادات. ويعمل العديد من البلدان على تنويع المصادر والموارد، لكن تكمن المشكلة في أن هذه المصادر ليست وفيرة، وسيستغرق أي ترتيب جديد وقتاً للانتهاء منه وتطبيقه.
والملاحظ أنه على الصعيد الروسي الداخلي، أصبحت الدولة أكثر تقييداً. ويبدو أن سياسة بوتين لا تتسامح مطلقاً مع المعارضة، وجرى تجريم أي انتقادات للحرب بموجب القانون. ويجري التصدي للمتظاهرين المناهضين للحرب باستخدام القوة والسجن.
من ناحيته، حث ألكسي نافالني، الموجود في السجن حالياً، الناس على الاحتجاج على الحرب. جدير بالذكر أنه حكم عليه بالسجن 9 سنوات لإدانته بالاحتيال.
ختاماً، أول شيء قد نأمله في أوكرانيا إقرار اتفاق لوقف إطلاق النار. وأعتقد أنه في مثل هذه الحالة، من المحتمل أن تُترك القضايا الأكثر حساسية لوقت لاحق، وسيكون اتفاق السلام النهائي بعيداً في الوقت. أما خلال الفترة ما بين وقف إطلاق النار وإقرار اتفاق سلام نهائي، فسيبقى وقف إطلاق النار قائماً فوق قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو