الطريق الثالث بين روسيا والصين

الطريق الثالث بين روسيا والصين

الاثنين - 25 شعبان 1443 هـ - 28 مارس 2022 مـ رقم العدد [15826]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية

قبيل الحرب الروسية الأوكرانية بأيام قليلة، أعلنت الصين وروسيا شراكة استراتيجية وُصفت منهما بأنها شراكة بلا حدود. وعند اندلاع الحرب، رفضت الصين وصف الإجراء الروسي بالغزو، وتبنّت وجهة النظر الإعلامية الروسية بوجود أسلحة بيولوجية في أوكرانيا، واتهمت الولايات المتحدة بإذكاء نار الحرب، على الرغم أنها لم تسمّ ما حدث بالحرب. وجهة النظر الصينية السياسية تجاه الحرب طرحت النقاش تجاه موقفها الاقتصادي، لا سيما مع العقوبات التي فرضها العالم الغربي على الاقتصاد الروسي والتي طالت حتى الأثرياء الروس. والسؤال المطروح هو، هل تنقذ الصين روسيا من هذه العقوبات بزيادة التبادل التجاري معها وتعويض ما سيفقده الاقتصاد الروسي بما في ذلك من جلب السخط من العالم الغربي؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من معرفة ما على المحك بالنسبة للصينيين، فمن ناحية التبادل التجاري، روسيا شريك وجار للصين، وقد وصل التبادل التجاري بين البلدين العام الماضي إلى 147 مليار دولار، وهو مستوى تاريخي للتبادل التجاري بعد أن زاد بنحو 36 في المائة عن العام الذي سبقه. ووصلت الصادرات الروسية للصين إلى 79 مليار دولار، أكثر من نصفها من النفط والغاز.
بالمقابل فالصين لا تستطيع إغضاب العالم الغربي بعدم التجاوب مع دعواته المستمرة لمقاطعة روسيا شومعاقبتها اقتصادياً. والتبادل التجاري بين الغرب والصين أضعاف مثيله مع روسيا، فالصين شريك تجاري للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بتبادل تجاري يتعدى 800 و750 مليار دولار على التوالي.
أما من الناحية الاستراتيجية، فلا يمكن للصين الاستغناء عن الغرب، فهي بحاجة إلى التعامل بالدولار، وهي كذلك بحاجة ماسة إلى التقنيات التي تحصل عليها من الولايات المتحدة.
ومع جميع الضغوطات التي تعرضت لها الصين خلال السنوات الماضية، حاولت جاهدة ألا تجعل الأميركيين والأوروبيين في صف واحد لعدم قدرتها على مواجهة الطرفين سوياً، ونجحت في ذلك إلى حدٍ كبير. ولكن في الوقت نفسه فهي منكشفة من ناحية حاجتها للطاقة التي تستورد جزءاً لا يستهان به من روسيا.
وقد استوردت العام الماضي لوحده ما قيمته 316 مليار دولار من النفط والغاز، ونحو نصف هذا الرقم من الحديد الخام. هذه الواردات لا يوفرها العالم الغربي للصين، ولذلك فإن الصين لا تستطيع معاداة كل دولة يعاديها الغرب الذي لديه احتياجات ومصالح مختلفة كلياً عن تلكم الصينية.
والصين حالياً في وضع لا تحسد عليه، فالحرب كانت أحد أسباب الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، فهي تستورد أكثر من 70 في المائة من النفط، ونحو 40 في المائة من الغاز. كما أنها تشهد حالياً أعلى نسبة إصابات معلنة لـ«كورونا» منذ بدء الجائحة، ومع تبنّيها سياسة الإصابات الصفرية، فالعديد من مدنها الكبرى تشهد حظراً للتجول بشكل يشابه ما حدث في جميع دول العالم بداية الجائحة. ويضاف إلى ذلك أن موسم الأمطار لم يكن ملائماً لزراعة القمح في الصين، وهو ما يعني ازدياد الحاجة إلى استيراد القمح من روسيا. ولذلك فهي متضررة إلى حدٍ كبير من الحرب الروسية الأوكرانية سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر بسبب تعثر سلاسل الإمداد التي تغذي الصين.
وعودة للسؤال الأول، فلدى الصين القدرة على إنقاذ الاقتصاد الروسي وتعويضه عن العقوبات من الغرب، فنصف احتياطي البنك المركزي الروسي في الصين سواء من الذهب أو اليوان الصيني. والصين بإمكانها زيادة شراء السلع الروسية، لا سيما إذا ما استطاعت الحصول على النفط بأسعار منخفضة، تماماً كما تفعل مع النفط الإيراني والفنزويلي والذي تشتريه بسعر أقل من الأسواق بنحو 10 في المائة، رغم العقوبات المفروضة على إيران. ومع ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الطلب الصيني، فلدى الصين الدافع في شراء النفط والغاز من روسيا بأسعار منخفضة. وسبق لمسؤوليها التصريح برفضهم للعقوبات الأحادية التي تفرضها دول العالم الغربي على روسيا. ويمكن أن تتعرض الصين لعقوبات ثانوية في حال لعبت دور المنقذ للاقتصاد الروسي، ولكن الغرب قد يتضرر كذلك إن فرض عقوبات على الصين وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لا سيما مع حجم التبادل التجاري بين الصين والغرب والمذكور آنفاً.
ويبدو أن الصين تتجه إلى الطريق الثالث، فهي لن تقاطع روسيا، وهذا جلي من موقفها السياسي ومن الشراكة الأخيرة مع روسيا، ولكنها كذلك لن تشارك عسكرياً في هذه الحرب. كما أنها لن تغامر باقتصادها وعلاقتها مع الغرب بلعب دور المنقذ للاقتصاد الروسي، لا سيما مع كون التبادل التجاري مع روسيا - مع أهميته الاستراتيجية - لا يشكل أكثر من 2 في المائة من مجموع تبادلها التجاري. والطريق الثالث الذي قد تسلكه الصين هو الاستمرار بعلاقتها مع روسيا دون تغيير يذكر دون استفزاز للولايات المتحدة التي لا يبدو أنها سترضى عن الصين مهما كانت ردة فعلها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو