جوناثان هارغريفز
TT

النظام السوري يظهر وجهه الحقيقي من جديد

سوف أحظى بميزة قضاء اليوم، 15 الثلاثاء، مع أفراد من الجالية السورية في مانشستر البريطانية. وسوف نحتفل بموهبة وإبداع الفنانين السوريين في المملكة المتحدة، وسوريا الغنية للغاية بالثقافة والتراث، التي طغت عليها ظلال الحرب القاتمة وأزمة اللاجئين المروعة خلال العشرية الماضية. ولكن أذهاننا ستركز أيضاً على تلك الأحداث التي وقعت قبل 11 عاماً، عندما انطلق السوريون إلى الشوارع للاحتجاج السلمي على اعتقال وتعذيب 15 طالباً شاباً يمارسون حقهم في التعبير عن آرائهم بروح ديمقراطية كانت سائدة في تلك الأيام البعيدة.اليوم، ينظر العالم بحالة من الذعر إلى وحشية وخراب الهجوم الروسي غير المبرر لأوكرانيا، ونزوح عدد من اللاجئين خلال أسبوع واحد، يماثل العدد الذي دخل أوروبا عام 2015 بأكمله. ولكن مع استمرار مجريات الحرب المريعة، فإن حصار المدن والقصف العنيف للمستشفيات في أوكرانيا يعكس ما حدث في سوريا ويسلط الضوء على المحنة السورية المستمرة.
لقد تصرفنا بسرعة وبكل صواب لمواجهة هجوم بوتين في أوكرانيا. وكما قالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس الأسبوع الماضي: «إن الكيفية التي نستجيب بها اليوم سوف تحدد نمط التعامل لهذا العصر الجديد.
وإذا تركنا النزعة التوسعية لبوتين تمر مرور الكرام، فمن شأنه أن يبعث برسالة خطيرة إلى المعتدين والمستبدين المحتملين في مختلف أرجاء العالم، ونحن ببساطة لا نستطيع السماح بحدوث ذلك». وهذا يعني تعزيز وحدتنا، والسعي لحشد الدول 141 التي صوتت لإدانة التصرفات الروسية في الأمم المتحدة، لاتخاذ المزيد من التدابير الحاسمة. ما يعني أيضاً أن نظل على المدى الطويل، بحسب تعبير وزيرة الخارجية، نعمل على «تعزيز استجابتنا، واستبدال الشك بالعزم والتصميم، والرضا عن قناعة تامة».
وتبقى المبادئ ذاتها (حماية قيمنا الأساسية، والتصدي للعدوان، والمحافظة على وحدتنا، والالتزام على المدى البعيد) هي السمة المميزة لمنهجنا في التعامل مع سوريا.
خلال الأسبوع الجاري، ستقدم لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا تقريرها الأخير إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وسيلفت انتباه العالم مرة أخرى إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الأساسية والقانون الإنساني في مختلف أنحاء البلاد، والإخفاء المتعمد لمصير وأماكن وجود المعتقلين، واستمرار أعمال العنف، والتمييز على أساس النوع. ونحن نعلم أنه لا يوجد حل عسكري لإنهاء هذه الفظائع.
في الأسبوع الماضي، كانت المملكة المتحدة مسرورة بإبرام مذكرة مع «الآلية الدولية المحايدة المستقلة» في جنيف لتبادل المعلومات التي يمكنها المساعدة على محاسبة مرتكبي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإرهاب. وقد رحبنا بالحكم المهم الذي أصدرته محكمة كوبلنز في ألمانيا في يناير (كانون الثاني) هذا العام بحق ضابط مخابرات سوري سابق أدين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وحكم عليه بالسجن المؤبد.
وتفخر المملكة المتحدة بدعم «لجنة العدالة والمساءلة الدولية» والدور المهم الذي لعبته طوال قضية كوبلنز.
ويتعين علينا تكثيف جهودنا الدولية في مجال المساءلة. وهذا يستند إلى الشجاعة والمهارة المدهشتين للعديد من السوريين الذين يعملون بلا كلل لجمع وحماية الأدلة الحاسمة، بما في ذلك العديد من الذين دعمتهم المملكة المتحدة لسنوات عديدة.
اتفقنا في واشنطن خلال الشهر الجاري بشأن الحفاظ على التزامنا ضمان المساءلة، عندما استضافت الولايات المتحدة ممثلين عن الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، و11 دولة شريكة. كما اتفقنا على البقاء متحدين تماماً في محاولة المضي قدماً للتوصل إلى حل سياسي شامل وجامع وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254، والحاجة إلى نتائج ملموسة من الجولة السابعة لدورة اللجنة الدستورية المقبلة في مارس (آذار).
يحتاج جيران سوريا بشدة إلى تحسين الوضع الرهيب في البلاد: فهم يعانون أكثر كل يوم من اقتصاد متراجع، وأنشطة متنامية لتهريب المخدرات، والمسؤولية الضخمة المستمرة عن رعاية ما يقرب من 6 ملايين لاجئ لأن سوريا لا تزال غير آمنة للعودة.
نرحب بجميع المبادرات ذات المصداقية لكسر الجمود في مساعدة السوريين على المضي قدماً بعملية سياسية سلمية.
وكانت المشاورات التي أجراها المبعوث الأممي غير بيدرسن مؤخراً، بشأن البحث عن أرضية مشتركة يمكن إحراز تقدم فيها، موضع ترحيب كبير. ويحدونا أمل كبير في أن يُظهر النظام ومؤيدوه بعض بوادر حسن النية للمشاركة في هذه العملية. لكن علينا الاعتراف بأن المؤشرات ليست مشجعة.
فمن خلال دعمه غير المتحفظ لأفعال روسيا المشينة، أظهر النظام السوري وجهه الحقيقي من جديد. وهو ليس بالنظام الذي يمكن الوثوق به لاحترام الاتفاقات، أو تقديم تنازلات، أو الاهتمام بشعبه أو جيرانه. ونحن على استعداد للاستجابة لأي مؤشرات حقيقية تؤكد أن النظام مستعد لتغيير سلوكه.
لكن هذا ليس الوقت المناسب لتفتيت النهج الجماعي المتبع في التعامل مع النظام، أو مد يد التعاون من دون التأكد من استعادة شيء في المقابل لصالح الشعب السوري والمنطقة.
وإلى أن يختار النظام ومؤيدوه الروس والإيرانيون وضع الشعب السوري على رأس الأولويات، ووقف حربهم ضدهم، واتخاذ قرار العودة إلى حظيرة المجتمعات والاقتصادات المفتوحة، فإن معاناة السوريين وجيرانهم ستستمر. وستواصل المملكة المتحدة دعم 13 مليون شخص في سوريا ممن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وأولئك الذين خارج سوريا ممن تستضيفهم البلدان المجاورة. وسنحارب بكل قوتنا للتأكد من إمكانية تسليم المساعدات حيثما ومتى دعت الحاجة إليها، سواء عبر الحدود أو عبر خطوط الصراع. وسنفعل كل ما في وسعنا للتأكد من أن المعونات الدولية تخدم السوريين بكرامة، وتدعم مبادراتهم واستثماراتهم وآمالهم في المستقبل.
لذا، فإننا اليوم، ونحن نحتفل بثقافة سوريا العتيقة والفخورة، ونستذكر الهجمات المروعة على شعبها على مدى السنوات الإحدى عشرة الماضية، سنلتزم مجدداً بالوقوف ضد العدوان، وتعزيز قوتنا الدولية الموحدة القائمة على المبادئ. إننا نقف مع الشعب السوري، تماماً كما نقف مع شعب أوكرانيا.
* ممثل بريطانيا إلى سوريا
- خاص بـ«الشرق الأوسط»