جيسيكا غروس
TT

يجب ألا يكون العمل عن بُعد هو مسار الأمهات فقط

مع انخفاض معدلات حالات الإصابة بعدوى «كوفيد – 19» بشكل حاد، فإنه يبدو أن بعض المديرين التنفيذيين في الشركات يدفعون باتجاه العودة إلى العمل من المكاتب، وفي حين أن معظم الأميركيين لا يمكنهم العمل عن بُعد (نحو 60 في المائة منهم، وفقاً لاستطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» الأميركي)، فإن أولئك الذين يقولون إنهم سعداء بالعمل من المنزل هم من النساء والأميركيين السود، وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة «Harris Poll» مؤخراً.
ويخشى البعض أنه مع عودة المزيد من الأشخاص إلى العمل من المكاتب، فإن الأمر سيكون بمثابة العقاب للأمهات على وجه الخصوص؛ وذلك لأن مرونة ترتيبات العمل عن بُعد ستصبح مرتبطة بهن وحدهن؛ مما يؤدي إلى وجود عدد أقل من العاملات في المكاتب.
وبالنظر لبعض نماذج عناوين الأخبار وتقارير المؤسسات الإخبارية المختلفة، فإننا سنجد سلسلة من المخاوف المتشائمة، حيث قالت الكاتبة إيريكا باندي في مقال بموقع «أكسيوس» الأميركي «أماكن العمل المختلطة التي يعمل فيها بعض الموظفين من المكتب والبعض الآخر من المنزل تكون غير عادلة؛ وذلك لأن العاملين من المكتب سيكون لديهم قدرة أكبر على التواصل مع المديرين والمديرين التنفيذيين، بينما أولئك الذين يبقون في المنزل سيكونون بعيدين عن الأنظار».
وأجد هذا التعبير عن القلق غريباً على عدد من المستويات، أولاً، لأنه يظهر أن الظروف الاجتماعية في مكان العمل كانت دائماً منصفة للنساء، وذلك على الرغم من الأبحاث أظهرت أنها لم تكن كذلك، حيث استشهدت ورقة بحثية في عام 2021 بعنوان «The Old Boys’ Club: Schmoozing and the Gender Gap»، ببيانات أماكن العمل في الفترة بين عامي 2015 و2018 في بنك تجاري كبير في آسيا، ووجدت أن «81 في المائة من النساء قلن إنهن يشعرن بالاستبعاد من بناء العلاقات في العمل، كما يشعر الكثير منهن بأنهن مستبعدات من التواصل الاجتماعي بعد انقضاء ساعات العمل».
كما وجدت الورقة البحثية، أن المزايا التي تأتي من التواصل الاجتماعي مع المديرين تساهم بشكل كبير في القضاء على الفجوة بين الجنسين، وأنه، مقارنة بالرجال، كانت هناك فجوة في الأجور بنسبة 31 في المائة للأمهات اللائي يأخذن إجازة وضع.
ولكن لم يكن من السهل على الأشخاص الذين لديهم مسؤوليات تقديم الرعاية إطالة يوم عملهم بانتظام، كما أنه عندما تكون جداول العمل غير متوقعة، فإن الآباء العزاب يتحملون العبء الأصعب.
ويبدو أن تلك العناوين الرئيسية التي تثير القلق تتجاهل أحداث العامين الماضيين، كما لو أننا لم نثبت خلال هذه الفترة أن العمال يمكن أن يكونوا منتجين ويقوموا بتقديم المحتوى نفسه من المنزل، كما أن المديرين كذلك يكونون قادرين على تعديل سير العمل والعمليات لجعل العمل عن بُعد أو المختلط كفئاً، وتقول الأستاذة بجامعة تكساس جينيفر غلاس والتي تجري أبحاثاً حول العمل عن بُعد، إنه ستكون هناك دائماً مقاومة مؤسسية للتغيير، مضيفة «ستجد دائماً أن المديرين يشعرون بالانزعاج من إعادة التفكير في طريقة سير العمل؛ وذلك لأنهم يعملون فوق طاقتهم بالفعل»، وأشارت غلاس أيضاً إلى أنه قبل وباء فيروس كورونا المستجد، كان العديد من العاملين في المكاتب يعملون من المنزل طوال الوقت؛ إذ كانوا يفعلون ذلك في الليل وفي عطلات نهاية الأسبوع.
ولكن لا يتعين علينا أن نظل متمسكين بالطرق القديمة للإدارة لمجرد أن هذه هي الطريقة التي تتم بها الأمور دائماً، فتقول مستشارة أماكن العمل ميندا هارتس «علينا إعادة البناء بطريقة أفضل، فإذا عدنا إلى الطريقة القديمة لبناء ثقافة المكتب، والتي أعطت الأولوية للتواصل الاجتماعي بعد العمل واستراحات تناول القهوة في المكتب، فإن الأمر سيكون سيئاً لتلك الشركات»، على حد قولها. وقد تحدثت هارتس مع العمال على مدى السنوات القليلة الماضية وتقول، إن الكثيرين منهم أخبرها أنهم عندما عملوا عن بُعد كانت هذه هي المرة الأولى التي شعروا فيها بالانتماء إلى شركاتهم.
إذن، كيف يمكن للمديرين التأكد من معاملة الموظفين الذين يعملون من المكتب ومن المنزل، وأولئك منهم الذين يتحملون مسؤولية تقديم الرعاية بشكل متساوٍ؟ ليس من الضروري أن يتطلب الأمر الكثير من الجهد، فقد عملت مع أكثر من فريق من الموظفين في جميع أنحاء البلاد، وقد تعلمت أنه إذا كان بإمكان المديرين إدارة الأمر بسهولة.
وقد أخبرني مؤلف كتاب «Pay Up: The Future of Women and Work (and Why It’s Different Than You Think) » ريشما سوجان، أنه يجب على الشركات تتبع معدلات الترقية والتأكد من أن الموظفين الذين يقومون بالعمل عن بُعد لا يعاقَبون على ذلك.
وتقول هارتس، إنه يجب على المديرين توقع مستوى معين من القلق من الموظفين الذين يعملون عن بُعد والذين يعملون في نظام مختلط يجمع بين العمل من المكتب والمنزل معاً، والذين يشعرون بأنهم مستبعدون من بناء العلاقات اليومية، وإنشاء مسارات واضحة للتقدم، وفرص التوجيه، مضيفة أنه يجب أيضاً على قادة الشركات أن يكونوا متاحين لعقد اجتماعات غير رسمية في بعض الأوقات.
وأشعر بالتفاؤل الحذر بأن هناك مجالاً لهذه الأنواع من التغييرات على المدى القريب؛ وذلك لأن الطلب على الموظفين يعني أن العمال يتمتعون حالياً ببعض النفوذ الإضافي، وبمجرد أن تتاح للناس فرصة عدم التنقل كل يوم، سيكون من الصعب جذب أكثر الأشخاص الموهوبين للحضور لمدة 60 ساعة في الأسبوع.
ووفقاً لمركز «بيو»، فإن 64 في المائة من الأميركيين الذين يعملون عن بُعد على الأقل لبعض الوقت يقولون، إنه من الأسهل تحقيق التوازن بين عملهم وحياتهم الشخصية الآن عما كان عليه قبل الوباء.
وهذا لا يعني أن العمل عن بُعد أو المختلط هو الدواء الشافي، فقد أشارت غلاس إلى أن العاملين عن بُعد من ذوي الدخل المنخفض قد يواجهون صعوبة في تحمل تكاليف الإنترنت عالي السرعة ووجود مساحة مكتبية في المنزل، كما أن هناك العديد من الوظائف المكتبية التي يسهل القيام بها من خلال وجود الموظف في المكتب؛ إذ إنها تجد التدريس عبر الفيديو، على سبيل المثال، أكثر صعوبة وأقل إرضاءً للطلبة.
ومع ذلك، فإننا لن نعود إلى الوضع الطبيعي القديم، على الرغم من رغبة بعض أرباب العمل في القيام بذلك، فأماكن العمل لدينا في حاجة إلى التوقف عن محاولة العودة إلى الطريقة القديمة التي لم تكن ناجحة، وقد بات أمام أصحاب العمل فرصة غير عادية الآن لتغيير الثقافة القديمة، كما أن عليهم استغلالها.
- خدمة «نيويورك تايمز»