جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

مواقع التواصل الليبية وتعدد الفِخاخ

التعاملُ مع مواقع التواصل الاجتماعي الليبية يتطلبُ من المرءِ صبراً مماثلاً لما حَبا به الله نبيه أيوب عليه السلام. وفي الوقت ذاته، تتطلبُ منه امتلاك مواهب مفتش سري، لا يقل موهبة ومهارة وخبرة عن المفتش البريطاني المشهور شرلوك هولمز. وأعني بذلك، التعامل مع المواقع الليبية ذات الصلة بالصراع على السلطة، ومن يتبعونهم. فهي مواقع كثيرة، تظهر وتختفي كما يحلو لأصحابها، وبأسماء وهمية. وتفتقد المصداقية. ولا تتورع مطلقاً على تزوير وفبركة الأخبار، بما يتلاءم وهواها وأهدافها، من دون اعتبار لما ينجم عن ذلك من نتائج. وهناك جيوشٌ لا تُحصى، تتخندق في مواقع مختلفة، داخل البلاد وخارجها، لا همَّ لأفرادها سوى الجلوس أمام أجهزة حواسيب، نهاراً وليلاً، والانخراط في تصنيع الشائعات والأكاذيب.
أنا هنا أتحدث من داخل تجربة شخصية ليست سهلة إن لم تكن مريرة. المرارة مبعثها ما ينتاب المرء من شعور عام بالإحباط، وما يخلقه في النفس من تداعيات، من جراء ما يراه من ممارسات لا أخلاقية، وما يعانيه جراءها. وكذلك ناجمة عن شعوري بالتقصير نتيجة فشلي، بعض الأحيان، في التأكد من صحة خبر ما، رغم كل ما أبديه من تحوطات. وكأني بذلك، أدخل طواعية بقدمي وبعينين مفتوحتين في فخ منصوب بدهاء. آخرها كان خبراً منشوراً باسم المكتب الإعلامي للسيد فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، والمكلف تشكيل حكومة جديدة. الخبر باختصار يؤكد تخلي السيد المذكور أعلاه على المهمة المكلف بها من قبل مجلس البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، ويعزو أسباب الفشل إلى إصرار المشير خليفة حفتر، على اشتمال الحكومة الجديدة على أشخاص معينين، ورفض السيد باشاغا لذلك. ولم ينقذني من الشَرَك إلا مكالمة أجريتها مع صديق لي على علاقة ببعض أعضاء الفريق الإعلامي للسيد باشاغا، طلباً لمزيد من التوضيحات ذات الصلة بالخبر. صديقي كذب الخبر، وأرسل إليّ مشكوراً بياناً صدر عن المكتب الإعلامي للسيد باشاغا، في اليوم نفسه، يتعلق بانتهائه من تشكيل حكومته الجديدة، وإحالة القائمة بأسماء أعضائها إلى مجلس النواب.
إنه زمن صياغة الأخبار الملفقة والمفبركة والكاذبة، فما العمل وكيف الحيطة والحذر وهذ الأخبار تنتشر كالنار في الهشيم؟!
المشكلة أن الفخاخ المنصوبة بالأخبار المفبركة تزداد عدداً وتعقيداً، ويصير من الصعوبة بمكان تمييزها وتجنب الوقوع فيها، مهما يبدي المرء من تحوطات، أو ما يتحلى به من صبر وخبرة ومهارات.
فبركة الأخبار، في الحقيقة، ليست حِكراً على مواقع التواصل الاجتماعي الليبية، بل تكاد تكتسب صفة دولية. ولعلنا لم ننس بعد ما قامت به مواقع التواصل الاجتماعي الأميركية من تضليل إعلامي، خلال فترة الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، وعام 2020، وما نجم عنه من نتائج. ولعلنا أيضاً ما زلنا نتذكر التضليل الهائل الذي قامت به مواقع التواصل الاجتماعي البريطانية خلال فترة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، إلا أن أخطر تلك الأخبار المفبركة نتائج ما يكون سبباً في إثارة فضائح أخلاقية، تنسب زوراً إلى أناس أبرياء، تكون سبباً في خراب بيوتهم، وتشويه سمعتهم والنيل من شرفهم العائلي.
لكن ما يميز مواقع التواصل الاجتماعي الليبية عن غيرها أنها عقائدية الطابع، ميكافيلية النهج والمنهج، حيث الغايات تبرر الوسائل. واكتسبت، بمرور الوقت وما يتوفر لها من دعم مالي، خبرات ومهارات تقنية استثنائية، قد تثير غيرة خبراء تقنية الإنترنت في أكثر المؤسسات والمعاهد التقنية خبرة.