أكرم البني
كاتب وصحافي سوري وناشط في مجال حقوق الإنسان وإحياء المجتمع المدني. مواليد مدينة حماة - سوريا 1956. درس الطب البشري في جامعة حلب. يكتب في الشأن السوري.
TT

لماذا لا تنتهي ظاهرة «داعش» وأمثاله؟

تتضافر ثلاثة أسباب لتفسير حالة العجز المزمن عن القضاء، بشكل حاسم ونهائي، على جماعات الإرهاب الإسلاموي، وشيوع إحساس بأن النيل من زعيم أو أكثر من زعماء تنظيم «داعش»، كقتل زعيمه «القرشي» مؤخراً، لن يبدل كثيراً من المشهد، ومن فرص إعادة إنتاج هذا النوع من الجماعات، حتى بأسماء ورايات جديدة.
السبب الأول يتعلق بطابع المعركة الدولية التي تكرست في مواجهة تنظيم «داعش» وأمثاله، واقتصرت على الخيار الأمني والعسكري، متجاهلة العوامل السياسية والمعرفية والاقتصادية المحرضة لنشوء التشدد الديني والإرهاب الإسلاموي، كالاستبداد والتخلف والجهل والفقر والتمييز والفساد، والتي من دون معالجتها لا يمكن هزيمة هذه الآفة جذرياً وتجفيف منابعها، مما يفسر الحصيلة المتواضعة لهذا الخيار بعد أكثر من عقدين من الزمن وبعد حربين واسعتين في أفغانستان والعراق.
النتائج تقول، إن الخيار الحربي، وبرغم نجاحه في النيل من أهم قادة التطرف الإسلاموي، لم يكن مجدياً وحده في التصدي لهذه الجماعات المتشددة واستئصال شأفة الإرهاب، بل ساهم في توسيع انتشارها وانتشار الإرهاب ذاته... والوقائع تقول، إن الأوضاع التنموية المزرية لمجتمعاتنا في ظل سلطات القمع والفساد خلقت تبايناً صارخاً بين ملّاك السلطة والثروة وجموع غفيرة يكويها القهر والحرمان، مما شكل تربة خصبة تمد «داعش» وأشباهه بأسباب النمو والتجدد... ودروس التاريخ تقول، إن السياسات الدولية الظالمة لحقوق المجتمعات العربية والتي غضت النظر عن شرور الاستبداد والاحتلال، وعن دعم قيم الحوار واحترام التعددية وحقوق الإنسان، شكلت بدورها حافزاً موضوعياً لاستمرار التشدد الإسلاموي واندفاعاته العنيفة.
صحيح أن الحرب على الإرهاب الإسلاموي ترافقت فيما مضى، بدعوات لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتنمية المجتمعات المتخلفة كسبيل لسحب البساط من تحت أقدام التطرف الديني، وصحيح أن الأنظمة المستبدة سارعت لمحاربة هذه الدعوات، إما باستحضار نظرية المؤامرة والترويج لفكرة أن وراء التنمية الديمقراطية مصالح استعمارية لإذلال شعوب المنطقة والسيطرة على ثرواتها، وإما بدعم ما تيسر من جماعات إرهابية وتحريكها لإيقاع الأذى هنا وهناك، وإقناع العالم بأنه لا بديل عنها لحماية الأمن والاستقرار، لكن الصحيح أيضاً أن قلة الصبر والتراجع المبكر عن دعوات التمكين الديمقراطي لمصلحة دعم الاستقرار والاستبداد القائمين، ثم السلبية الدولية تجاه ظواهر الفتك والتنكيل السلطوية بحق مجتمعات الربيع العربي، والأسوأ تنامي حضور التيارات الشعبوية والعودة الراهنة عالمياً إلى منطق القوة والمكاسرة والغلبة، ساهمت جميعها في حفز الفكر «الجهادي» ومنحه المزيد من الفرص للترويج لحلمه القديم بإقامة ما يسميه «دولة الخلافة».
ثاني الأسباب يرتبط بالأنظمة الإسلاموية التي لا تزال تتوسل الصراعات الدينية والمذهبية لتعزيز تسلطها ونفوذها، وفي مقدمتها حكومة طهران ودورها في مد ظاهرة التطرف والإرهاب بعوامل البقاء والاستمرار، وربما لم يكن صدفة أن يتزامن نمو هذه الظاهرة وتطورها مع قيام الجمهورية الإسلاموية في إيران، ليس فقط لدور الأخيرة في إثارة النزاعات المذهبية وخلق ما بات يعرف بالمظلومية السنية، وتشجيع انحطاط الصراع السياسي في المنطقة نحو عنف طائفي ومذهبي بغيض، وإنما أيضاً لأن لطهران مصلحة في الإبقاء على هذا «البعبع»، وتوظيفه عند الحاجة، مرة أولى لتشويه وإضعاف فرص النهوض العربي وإجهاض مسارات التحديث والتنمية والقدرة على بناء مجتمعات أكثر معرفة وأشد حرصاً على حاجاتها وحقوقها، ومرة ثانية لإثارة الفوبيا الغربية من الإسلام السني وتشجيع القبول الدولي بها كأهون الشرور. والمشهد، اتساع الفئات المهمشة والمحتقنة مذهبياً وتعميق مشاعر القهر والظلم لدى المكون العربي السني وتكريس ردود فعله في إطار من الثأرية المذهبية، مما حرمه من حقه وفرصته الريادية في نصرة مجتمع الحرية والمواطنة وقيادة النضال لإزالة كل أسباب التخلف والتمييز والاضطهاد.
يتفق الكثيرون على وجود ترابط بين اندفاعات التطرف الإسلاموي وعتبة تقدم النفوذ الإيراني في المنطقة، ويدرجون تفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001 مثالاً لكونها حضت واشنطن على اجتياح العراق وتدمير دولته والعبث بمكوناته، مما عزز حضور إيران ونفوذها في المنطقة، مذكرين بداية، بصمت حكام طهران وتواطئهم تجاه ذلك الاجتياح ثم تنسيقهم الفريد مع النظام السوري، لتمكين جماعات الإرهاب الإسلاموي من معاودة نشاطاتها لإجبار القوات الأميركية على الانسحاب من العراق وتركه لقمة سائغة لنفوذ «الحرس الثوري»، في الوقت الذي لم تتعرض فيه طهران لأي عملية إرهابية من قبل تلك الجماعات، بل على العكس كانت الملاذ الآمن الذي احتضن بقايا أمراء «القاعدة» وأسرهم بعد خروجهم من أفغانستان.
ثالث الأسباب يتعلق بواقع الفكر الديني في مجتمعاتنا الذي باتت تحكمه ظاهرة مزدوجة؛ وجهها الأول الإسلام السياسي، ووجهها الثاني قصور المشروع التنويري، حيث لا يخطئ من يعتقد بأن أحد أسباب نمو الفكر المتطرف هو الرهان الخاطئ على اعتدال جماعات الإسلام السياسي والغزل مع أهم تنظيماتها وعلى رأسها «الإخوان المسلمون»، من دون الأخذ في الحسبان أن هذه الجماعات كانت عموماً بمثابة الوعاء العقائدي والاجتماعي لنمو التعصب والتطرف الإسلاموي، ولنقل التربة الخصبة، آيديولوجياً وتنظيمياً، لتبلوره وترعرعه، فكلاهما ينهل من منهل واحد، وكلاهما يسعى إلى تطبيق ما يعتقد أنه الشريعة الإسلامية وحكم الله على الأرض، وإن اختلفا في الأشكال والأساليب، بل لم يتردد من يدعي السلمية منهما، والأمثلة كثيرة، في استخدام أكثر الوسائل استئثاراً وقمعاً وبربرية لحماية سلطانه وما يعتبره حقه المقدس، مثلما لا يخطئ أيضاً من يقرن تطور الفكر الإسلاموي المتشدد بفشل الإصلاح الديني وضعف حضور ومصداقية قوى الحداثة والديمقراطية، والأهم ضعف الجهود لبناء وتعميم خطاب صحي ينأى بالدين عن دنس السياسة ويعيد الاعتبار لجوهر القيم الدينية الأخلاقية والإنسانية، فليس من فرصة أفضل للفكر المتطرف كي ينمو ويتطور من غياب صوت العقل والمنطق، ومن العجز عن التأسيس لرؤية علمية جريئة للعلاقة بين الديني والدنيوي، كفاتحة للنهوض بمجتمعات أدمنت الجمود والتقليد وصارت في أمس الحاجة إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير.
والحال، ما دامت الأسباب السابقة باقية، فالمناخ الملائم لاستمرار «داعش» وغيره من الجماعات الإرهابية باقٍ، مناخ يدفع الأغلبية المتضررة والمحاصرة دفعاً نحو الملاذ الديني، ويزيد تلقائياً من فرص نمو الفكر الإسلاموي المتشدد وخياره العنفي.