بتأمل المسوغات التي بموجبها طالب رجاء النقاش الجامعة الأردنية بعقد محاكمة علمية علنية للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، والتي رأى فيها أن إلقاء التهم بلا حساب في كتابه «طه حسين مفكراً» يبيح للجامعة أن تسحب منه لقبه العلمي الذي يحمله، سنلحظ أنها خلت من الإشارة إلى تطرف المحتسب الديني. كذلك فإن مقاله النقدي ذا الجزأين المنشورين في مجلة «الهلال» عن كتاب أنور الجندي «طه حسين: حياته وفكره في ميزان الاسلام» خلا من هذه الإشارة الأساسية والمهمة والجذرية.
التطرف الديني لم يفت رجاء النقاش رؤيته، لأنه كان أمراً ظاهراً في هذين الكتابين، وفي كل ما يصنف ضمن دائرة «الكتاب الإسلامي المعاصر»، لكنه لم يود الإشارة إليه، لإدراكه أن الإشارة إلى مثل هذا الأمر تستفز غضب الإسلاميين، والرجل الجليل كان يتحاشى إغضابهم.
وهذا ما يتوافق مع السياسة التي تبناها لاحقاً، وهي النأي عن نقد الإسلاميين أو الدخول معهم في سجال ثقافي أو تقديم قراءة تحليلية لبعض أوجه الخطاب الإسلامي المعاصر، على نحو ما فعل بعض زملائه من نقاد الأدب المصريين بُعيد علو موجة التطرف الديني في مصر، وبُعيد اتهام الشيخ الأزهري محمد متولي الشعراوي توفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس بتجرؤهم على الدين، واتهام كتاباتهم بأنها ضلال وتضليل، وأن الأخيرين مضلِّيلين بالإرادة، وتحديه لهم أن يواجهوه في مناظرة بالتلفزيون المصري!
وهذه الحادثة كانت في عام 1983. وقد اصطف الإسلاميون معه في تهجمه الديني على هؤلاء الثلاثة، رغم أن كثرة كاثرة منهم كانوا في ذلك الوقت يجافونه لسبب سياسي محض.
وتلك السياسة التي تبناها رجاء النقاش هي التي جعلت كتابته عرضاً عن الإسلاميين والدينيين مرات قليلة، يغلب عليها الترفق والملاينة والتفهم.
كان يفعل ذلك مع تعرضه لمحنة قاسية من قبل هاتين الفئتين في قطر. فبعد أيام من نشر مقال حسين أحمد أمين في مجلة «الدوحة»، عدد 1 مارس، كان عنوانه «استنكار البدعة وكراهة الجديد» وكان رجاء النقاش حينذاك رئيس تحريرها، توجه رجال الشرطة ومعهم أمر بالقبض عليه، صادر من رئيس المحاكم الشرعية بدولة قطر، الشيخ عبد الله بن زيد المحمود.
فوجئ رجاء النقاش بأمر القبض عليه، وكان في هذه اللحظة يستعد للسفر بعد ساعة بالطائرة مع أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني – وكان مقرباً منه – إلى الهند لحضور مؤتمر عدم الانحياز في نيودلهي «إذا كان الأمير قد عينه – رغم جنسيته المصرية – عضواً في الوفد الرسمي لقطر إلى مؤتمر القمة. لذلك فقد طلب من الشرطة الانتظار ريثما يتصل تلفونياً بالأمير في قصره حتى يتلقى التعليمات منه. وفوجئ الأمير بالخبر وطلب التحدث إلى الضابط، وأخبره أن استدعاء النقاش للمثول أمام رئيس المحاكم الشرعية يمكن تأجيله إلى حين عودته من الهند».
وبعد أربعة أيام من القلق والخوف لم تنجح طمأنة أمير قطر له بإزالتهما «عاد رجاء النقاش مع الأمير إلى الدوحة مساء اليوم التالي (السبت). واتصل الأمير فور وصوله من قصره بعبد الرحمن الخليفي وكيل وزارة الإعلام، وطلب منه أن يصحب النقاش في صبيحة اليوم التالي (الأحد 13 مارس) إلى مقر رئيس المحاكم الشرعية، ليخبر الشيخ أن الأمير يوصيه بالتوصل إلى تفاهم مع رجاء، وبأن يعالج الأمر في حكمة وهوادة، فلا يوصله إلى حد ليس من مصلحة أحد أن يصل إليه...».
المحكمة كانت هيئتها مكونة من أربعة قضاة شرعيين برئاسة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود. وقد حاكمته على نشر مقال حسين أحمد أمين المشار إلى عنوانه آنفاً، وعلى نشره مقال سابق لهذا الكاتب، كان عنوانه «تأملات في حقيقة أبي لهب».
وقد اعترف رجاء النقاش أمام المحكمة بخطئه في إجازة نشرهما.
وفي نص حكم المحكمة بعد عرض حيثيات الدعوى المقامة عليه قال أولئك القضاة: «قرر القضاة بالإجماع، أن أقل ما يستحقه رئيس التحرير من العقوبة هو الإبعاد عن البلاد فوراً، ومنع نشر أي مقالات للمدعو حسين أحمد أمين في دولة قطر. كما نوصي جميع الأقطار الإسلامية بعدم تمكينه من نشر سمومه من خلال وسائل إعلامهم».
المصدر الذي نقلت منه هذه النتف من المعلومات لم يشر إلى أن قرار الإبعاد من قطر لم ينفذ. وذلك لأن رجاء النقاش ظل رئيساً لتحرير مجلة «الدوحة» إلى إغلاقها بعد عدد 1 أغسطس 1986. فعلى ما يبدو أن أمير قطر تشفّع له عند المحاكم الشرعية بإلغاء قرار إبعاده عن قطر.
من جهته لم يسبق لرجاء النقاش أن روى هذه القصة أو لمّح إليها في مقال أو كتاب أو محاضرة أو في لقاء صحافي معه. فهو لم يتطرق لها حتى في الحوار الشامل الذي أجراه معه مجدي الدقاق والذي تحدث فيه عن تاريخ حياته الأدبية والصحافية والعملية، وهو الحوار الذي كان ضمن مواد العدد التكريمي عنه الذي عملته مجلة «الهلال» عنه تحت عنوان «رجاء النقاش: القلم والإنسان»، الصادر في 1 فبراير 2007.
لهذا كانت قصته عرضة لأقاويل غير صحيحة. منها مثلاً ما كان يتردد عند بعض المثقفين والصحافين العرب، في المنتصف الأخير من الثمانينات وفي المنتصف الأول من التسعينات، أنه بسبب مقال نشر في مجلة «الدوحة» حكم عليه بالجلد، وتجنباً لهذا الأمر أُركب على عجل في أول رحلة جوية متجهة إلى مصر، لكيلا يطبق عليه هذا الحد الشرعي. وقد سمعتها بأذني منهم، وكانوا يروونها من باب التسلية والتندر عليه وعلى البلاد المضيفة.
وفي الفترة الأخيرة قرأت أكثر من مقال لصحافيين مصريين شاهدت برنامجاً في قناة مصرية يذيعه إعلامي مصري، رووا فيه القصة على نحو مغلوط.
المصدر الوحيد الذي روى القصة كاملة بكل تفاصيلها وملابساتها الدقيقة، هو حسين أحمد أمين، وهو طرف أساسي فيها.
رواها في كتابه «شخصيات عرفتها». ففي البورتريه الذي كتبه عن شخصية رجاء النقاش – بخلاف البورتريهات التي كتبها عن شخصيات أخرى في كتابه – انحصر ما كتبه عنه في كيف بدأ هو الكتابة في مجلة «الدوحة» في أثناء عمله وزيراً مفوضاً بالسفارة المصرية في ألمانيا الغربية، وعن بداية القضية ومجرياتها لحظة بلحظة وعن العوامل المؤثرة فيها: المؤسسة الدينية القطرية، والإخوان المسلمون، ومصريون ميزهم عن الإخوان المسلمين بأنهم لا تحركهم تلك الاعتبارات الفكرية أو العقدية التي تحرك الإخوان المسلمين. وعرّف بهم بقوله هذا: «هم الأئمة دوماً في ميدان طعن بعضهم بعضاً وإيقاع بعضهم بالبعض، خاصة في الخارج حيث يتصارعون ويتزاحمون على لقمة العيش».
ونشر في هذا البورتريه مقتطفات من نص حكم المحكمة، الذي ذكر أنه شغل نحو سبع صفحات، وأفاد بأن الذي زوّده بصورة منه سفير قطر لدى مصر. أهمية ما رواه حسين أحمد أمين في هذه القصة لا يرجع إلى أنه كان صاحب المقال الذي نُكب به رجاء النقاش وحسب، بل يتضح من روايته، أن الذي أمدّه بتفاصيلها الداخلية هو رجاء النقاش.
فحسين أحمد أمين لا يمكن أن يحيط بها على النحو الدقيق الذي رواه لأنه يعيش خارج قطر. ومما له لصلة بالتقوّل في هذه القصة، تقوّل انفرد به الأديب والناقد الإخواني الدكتور حلمي محمد القاعود في سبب هجرة رجاء النقاش إلى قطر للعمل الصحافي فيها.
ففي كتاب له ألّفه بعد سنوات قليلة من وفاة رجاء النقاش عنوانه «الأقليات السعيدة: يوميات التمرد والتسامح»، وهو يتصدى لنقض حقيقة تاريخية، وهي استعانة الرئيس أنور السادات بالإسلاميين ليحارب بهم اليسار المصري المعارض له، كان من بين أعاريض نقضه «تدخل السادات ليقنع الحكومة القطرية باستقبال رجاء النقاش لينشئ جريدة (الراية القطرية)، خوفاً من أن تتولاها جنسية معادية لمصر!».
ما قاله القاعود، هو أكذوبة ألّفها وأخرجها من عنديّاته، بهدف معاندة حقيقة تاريخية وتزويرها.
فكيف يسع قطر في عام 1979، وهو العام الذي ذهب رجاء النقاش فيه إلى قطر، قبول وساطة السادات باستقبال رجاء النقاش لينشئ جريدة «الراية» فيها، وهي موقعة على قرار مقاطعة مصر في مؤتمر المقاطعة العربية لمصر الذي انعقد ببغداد في شهر فبراير عام 1978؟! وكيف يسع السادات أن «يتدخل» لدى قطر في هذا الطلب الخاص جداً، وهو الذي قال فيها ما قال؟!
الأكذوبة التي ألّفها وأخرجها القاعود من عندياته، أتى بها من ضمن أعاريض أخرى، ليدلل بها على أن السادات لم يكن محتاجاً للاستعانة بالإسلاميين، لأنه كان – كما ادعى – يستعين بكثير من الشيوعيين أو اليسار!
إن رجاء النقاش لو كان قريباً من أنور السادات إلى حدٍ أن «يتدخل» بشكل شخصي عند أمير قطر، طالباً منه أن يكل مهمة إنشاء جريدة «الراية» له، لما كان أنور السادات استدعى رئيسة مجلس إدارة الهلال، أمنية السعيد، وطلب منها ألا تصدر قراراً بتعيين رجاء النقاش رئيساً لتحرير مجلة «الهلال» نزولاً عند رغبة يوسف السباعي الذي كان يمقته لسبب شخصي.
فيوسف السباعي هو الذي دفعه إلى الهجرة إلى قطر، وذلك عندما ضيّق عليه أبواب الرزق في مصر.
والذي أوكل إليه مهمة إنشاء جريدة «الراية»، وعينه تالياً رئيس تحرير مجلة «الدوحة» هو صديقه الحميم، الطيب صالح.
بالعودة إلى المسوغات التي بموجبها طالب رجاء النقاش الجامعة الأردنية بعقد محاكمة علمية للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، أقول عن مسوغاته إنها كانت رخوة وضعيفة.
ولو أنه أشار إلى تطرف كتاب المحتسب «طه حسين مفكراً» الديني، وأدرج هذه الإشارة ضمن مسوغاته، لكان ــ على الأقل ــ دق جرس الإنذار في وقت مبكر من تنامي التطرف الإسلامي الفكري في العالم العربي.
فالاتجاه الذي أوجده محمد محمد حسين في الكتابة الإسلامية المعاصرة وتابعه فيه في البداية، غازي التوبة وعبد المجيد عبد السلام المحتسب وأنور الجندي، صنع تطرفاً إسلامياً فكرياً إزاء جيل عصر النهضة العربي (ومنهم من كانوا ذو توجه ديني إسلامي)، وإزاء طه حسين وأبناء جيله، وإزاء أجيال لاحقة له ولأبناء جيله في الثقافة العربية.
وهذا الاتجاه أورث عند أكثر من جيل من الإسلاميين كراهية لهؤلاء جميعاً. وإيراث الكراهية الدينية لا يقتصر على هذا الاتجاه، فـ«الكتاب الإسلامي المعاصر» بمجمله ومعه الكاسيت الإسلامي تسبب في هذا الأمر المزعج والمؤذي والشنيع على صعد شتى، وفي موضوعات عدة وفي قضايا تافهة وقضايا ذات خطر.
إن طلب رجاء النقاش من الجامعة الأردنية أن تسحب درجة الدكتوراه من عبد المجيد عبد السلام المحتسب، وقول الأخير في الرد عليه: «أنا أعلم أن الأساتذة في جامعات بريطانيا وفرنسا وسائر أوروبا لا ينتقم بعضهم من بعض بسبب الخلاف في الرأي»، يدعونا إلى التعرف إلى ماذا عند الغرب في هذا الصدد.
في الغرب هناك شيء اسمه جرائم الكراهية. وقد سُنت في أوروبا وأميركا قوانين لمقاضاة الذين يرتكبونها.
وفي الوقت الذي قدم رجاء النقاش فيه طلبه السابق (1979)، واستنجد المحتسب بمرجعية أوروبية في الرد عليه (1982) كانت جرائم الكراهية في أوروبا وأميركا تشمل إنكار المحرقة اليهودية، ومعاداة السامية والعنصرية والجنسانية.
وفي السنوات الأخيرة أضيف إليها، الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وضد الغجر وأقليات عرقية وضد المثليين.
إنكار المحرقة اليهودية يترتب عليه فصل الأستاذ الجامعي من العمل، والتعرض لمحاكمة وسجن وغرامة وتشهير به.
وإذا كان الأستاذ الجامعي مرموق السمعة ونادر التخصص في سوق العالم الأكاديمي (Tenured professor)، أي أستاذ جامعي مدى الحياة، تضمن له وظيفته الجامعية قول ما يشاء، وتدريس ما يريد من دون خوف على وظيفته، فإنه يساءل في المحاكم، ويمكن أن يمنع من التدريس لكنه لا يفصل من عمله.
أما جرائم اللاسامية والعنصرية والجنسانية، فمع تعرض الأستاذ الجامعي مرتكبها للمحاكمة والتنديد به، فإن عقوبتها في أميركا أقل من عقوبتها في أوروبا، ونادراً ما يحصل فيها حكم قضائي بسبب أن المذهب التشريعي الأميركي واسع وفضفاض، وذلك بالاعتماد على المادة الأولى المضافة إلى الدستور والتي تؤكد الحق المطلق في التعبير.
وفي جريمة السرقات الأدبية، فإن كان مرتكبها أستاذاً جامعياً مدى الحياة تتم معالجتها بتسوية مرفقة بتوبيخ، أو غرامة وطلب تقديم اعتذار، ويستمر في وظيفته. وفي حالة كون مرتكبها ليس أستاذاً جامعياً مدى الحياة، فإنه يفصل من جامعته. ولا يستطيع الالتحاق بجامعة أخرى للتدريس بها. وإذا كان مرتكبها في وظيفة انتخابية، فإنه يتعرض للتوبيخ.
ومما يحسن التذكير به في هذا السياق ما حصل مع الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن.
في عام 1965م عندما كان في السنة الأولى بكلية الحقوق في جامعة سيراكيوز، اكتشف أحد الأساتذة في الكلية أنه في بحث قانوني كتبه، اقتبس خمس صفحات من مقالة نشرت في مجلة فوردهام الحقوقية من دون أن يشير إلى مصدر اقتباسه، واعترف بهذه السرقة وبررها بأنه فعلها عن حسن نية. ولما أصبح سيناتوراً ابتداء من عام 1972، أثيرت أيامها هذه القضية، فكرر اعتذاره.
وفي سباق انتخابات الرئاسة الأميركية عام 1987، سحب هو اسمه من الترشيح عام 1988، لأنه اكتشف استشهاده بكلام من خطبة السياسي وقائد حزب العمال البريطاني لفترة نيل كينوك، من دون أن ينص على مصدر استشهاده. وفي انتخابات 2020 اكتشف اقتباسه مقولات لبرني ساندرز، واكتشف اقتباسه مقولات لبيل كلينتون في انتخابات سابقة لها من دون عزوها لصاحبيها.
وفي هذه الانتخابات الأخيرة تجدد الحديث عن سرقته من خطبة نيل كينوك، فانبرى الأخير لتبرئته، بأنه فعلها عن غير قصد. وأثنى على شخصه وذم شخص الرئيس السابق دونالد ترمب.
وبالمناسبة فما زالت التعليقات على سرقاته للأفكار في بعض الصحف الغربية مستمرة إلى يومنا هذا... وللحديث بقية.
10:45 دقيقه
TT
نكبة النقّاش في قطر وسجل بايدن مع سرقة الأفكار
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
