داود الفرحان
حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة بغداد عام 1968. نائب نقيب الصحافيين العراقيين لثلاث دورات، الأمين العام المساعد لاتحاد الصحافيين العرب. مدير «مركز المعلومات والبحوث» في وزارة الثقافة والإعلام العراقية. معاون المدير العام لوكالة الأنباء العراقية. المستشار الإعلامي للسفارة العراقية في القاهرة (1989 - 1990). كاتب عمود صحافي في الصحف العراقية منذ عام 1966، وكاتب عمود في مجلات: «المجلة» السعودية، و«الأهرام العربي»، و«الصدى» الإماراتية، و«اليمامة» السعودية، و«التضامن» اللندنية. رئيس تحرير صحف ومجلات عراقية أسبوعية عدة ومؤلف لعدد من الكتب.
TT

هل منظمة الأمم المتحدة... متحدة فعلاً؟

نصت ديباجة تأسيس منظمة الأمم المتحدة على أن «تنقذ المنظمة الأجيال بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية من ويلات الحروب التي جنت على الإنسانية أحزاناً يعجز الإنسان عن وصفها». وألزمت المنظمة نفسها العمل على «تحقيق العدالة والحقوق الأساسية للإنسان، ورفع مستوى الحياة في جو من الحرية والتسامح والسلام».
وجاء تأسيس الأمم المتحدة في أعقاب فشل «عصبة الأمم» التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى في ضمان الأمن الجماعي خلال الأزمات الدولية التي شهدتها في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، ومنها صراعات منشوريا التي تقع شمال شرقي الصين، والغزو الإيطالي لإثيوبيا والحرب الأهلية الإسبانية والغزو الروسي لفنلندا، ما أضعف الثقة بتلك «العصبة»، التي كان مقرّها في جنيف بسويسرا، بعد انسحاب الدول الرئيسية منها أو استبعادها أو طردها، مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، واليابان، وإيطاليا، والاتحاد السوفياتي.
ويذكر التاريخ، أن رئيس الحكومة الإيطالية بينيتو موسوليني، قال «إن العصبة لا تتصرف إلا عندما تسمع العصافير تصرخ من الألم، أما عندما ترى العقبان الجارحة تسقط صريعة، فلا تُحرك ساكناً». وكان موسوليني في الحرب العالمية الثانية الحليف الأول للزعيم الألماني أدولف هتلر، وتم حسم الحرب بالقنبلتين الذريتين الأميركيتين على هيروشيما وناغازاكي في اليابان.
أما ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد جرت حروب أخرى، من أهمها الحرب الكورية (1950 - 1953) بين كوريا الشمالية المدعومة من الاتحاد السوفياتي والصين والدول الشيوعية الحليفة من جهة، وكوريا الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين من جهة أخرى. وانتهت الحرب الساخنة باستمرار التقسيم وبدء الحرب الباردة. وحاول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب التوسط بين الدولتين خلال اجتماعاته التاريخية في عام 2018 مع الرئيسين الكوري الشمالي والجنوبي بلا نتيجة سوى غداء عمل تصدره «الجمبري». وقد وصلت الخسائر البشرية في الحرب الكورية إلى أكثر من مليون شخص.
والحرب الطويلة الأخرى كانت الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) وخلّفت أكثر من مليون قتيل ودمرت اقتصاد البلدين بسبب نزاعات الحدود البرية ومياه شط العرب ومحاولات مرشد الثورة الإيرانية الخميني تصدير الثورة الطائفية إلى العراق ودول الخليج العربي. ورفض الخميني جميع العروض العراقية والوساطات الدولية لوقف الحرب وحل المشاكل الحدودية بالطرق السلمية.
وشهدت فيتنام الشمالية عدواناً شرساً وصل ضحاياه إلى نحو أربعة ملايين قتيل في حرب شنتها الولايات المتحدة طوال عقدين (1955 - 1975) دفاعاً عن جمهورية فيتنام الجنوبية. وانتهت بانتصار فيتنام الشمالية وسيطرتها على العاصمة الفيتنامية الجنوبية سايغون وتوحيد القسمين بعد أكثر حرب دموية في آسيا منذ الحرب العالمية الثانية. وكان اليوم الأخير لهذه الحرب يوم هزيمة ساحقة للقوات الأميركية ومشهداً لا ينسى في تاريخ قواتها المسلحة.
وتفوقت الكونغو الديمقراطية في حرب امتدت من (1998 - 2003) على أي حرب أخرى بعدد الضحايا الذي وصل إلى أكثر من خمسة ملايين شخص، وشاركت فيها تسع دول أفريقية و25 ميليشيا مسلحة.
وفي نيجيريا قامت حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات (1967 - 1970) وبلغ عدد ضحاياها ثلاثة ملايين قتيل بعد محاولات انفصالية في بعض ولاياتها.
وشنّت الولايات المتحدة حرباً على أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 وتدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك انتهت بالاحتلال الأميركي وإسقاط نظام «طالبان».
لكن الولايات المتحدة لم تملّ من الحروب، فقد قادت حرباً عالمية محدودة، على العراق بعد احتلاله للكويت في عام 1990، وهي في الحقيقة «حرب عالمية ثالثة» لمشاركة أكثر من 30 دولة ضد الجيش العراقي وحده. وعادت الولايات المتحدة إلى العدوان على العراق في 2003، لكنها هذه المرّة، أسقطت النظام واحتلت الأرض بمجموعة أكاذيب عن امتلاكه أسلحة دمار شامل ثبت باعتراف المسؤولين الأميركيين والمفتشين الدوليين عدم وجودها أصلاً. ولم تكتف باحتلالها العراق فنصّبت حكومات فاسدة موالية لإيران لحكم العراق تحت راية الاحتلال وتعاونت مع تنظيم «داعش» الإرهابي وميليشيات مسلحة تابعة لـ«فيلق القدس» الإيراني عاثت فساداً ونهباً بثروات الشعب العراقي، وخلّفت مليوني قتيل خلال أكثر من 18 عاماً ولجوء ونزوح 7 ملايين عراقي في الداخل والخارج.
طبعاً هناك حروب أخرى هنا وهناك، من الأرجنتين إلى كوبا إلى البوسنة والهرسك إلى ليبيا وسوريا ولبنان والجزائر والسودان والحبشة، وكلها بكفة وفلسطين بكفة أخرى، بعد «اختلاق» دولة إسرائيل من العدم واحتلال دولة تاريخية من زمن الأنبياء اسمها فلسطين وشرّدت شعبها في أركان الأرض.
هل هذه هي العدالة التي ألزمت الأمم المتحدة نفسها، ومقرها نيويورك، بتحقيق «الحقوق الأساسية للإنسان ورفع مستوى الحياة في جو من الحرية والتسامح والسلام»؟
ما الفرق بين حروب «عصبة الأمم» وحروب «الأمم المتحدة» والولايات المتحدة؟
ها هو الرئيس الأميركي بايدن يهدد «بمعاقبة» بوتين وها هو وزير الخارجية الروسي لافروف يستبق الرد الأميركي بهجوم عنيف على الغرب. ورئيس الوزراء البريطاني جونسون يتهم بوتين بوضع عينه على دول أخرى. ودخلت محادثات «نووي إيران» في مأزق كبير. وفي الجو 50 طلعة صينية في منطقة الدفاع التايوانية. وكوريا الشمالية تجري خامس تجربة صاروخية. وطائرات روسية تواصل قصف شمال غربي سوريا. والأمين العام للأمم المتحدة يُعرب عن قلقه ويدعو إلى ضبط النفس.
والسؤال الآن: هل عُصبة الأمم أكثر سوءاً من الأمم المتحدة؟ أم أن المشكلة في «الأمم» وليس في «المتحدة»؟ أم أن الأمم المتحدة... غير متحدة؟
كل الدبلوماسيين يدركون أن الخلل ليس في المنظمة الدولية. صحيح أنها لم تعد كما كانت في عهد أمينها العام الراحل السويدي داغ همرشولد (1953 - 1961) بسبب ازدياد الهيمنة الأميركية على قرارات مجلس الأمن، و«الفيتو» الذي أصبح سيفاً مسلطاً في كثير من الأحيان على رقبة العدالة كما حدث في العراق وفلسطين. وقد قُتل همرشولد في حادث تحطم طائرته في الكونغو خلال توجهه لحل مشكلة انفصال إقليم كاتانغا عن الكونغو، ولم تُعرف الجهة وراء تحطم طائرته. سأله أحد الصحافيين ذات يوم عن معنى اسمه باللغة السويدية فقال، إنه مكون من كلمتين هما: «هامر (المطرقة) وشيلد (الدرع)». ولم تمض سنوات عدة حتى أصبح لهذا الرجل قوة هائلة على المسرح الدولي تضاهي قوة الدول الكبرى مع اختلاف الأدوار، وصار واحداً من أقوى ثلاثة أو أربعة سياسيين في العالم. وقد اقترح رئيس الوزراء السوفياتي الراحل نيكيتا خروشوف في إحدى المراحل السياسية عقد مؤتمر قمة على أعلى مستوى اقتصر على ستة رجال هم رؤساء الدول الخمس الكبرى وسادسهم همرشولد.
وكان لهذا الأمين العام موقف مُشرف من العدوان الثلاثي على مصر عقب تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس واتفاق فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على تنفيذ خطة عسكرية للقضاء على خطر مصر على إسرائيل، فدعا إلى وقف العدوان ورد القوات المعتدية. وقال في جلسة لمجلس الأمن عن مهمة الأمين العام «إن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة أهم بكثير من الأهداف السياسية لأي دولة، وأن هذه المبادئ هي مرجعه الأول والأخير فيما يحق له أن يفعله، وهو لا يستطيع القيام بعمله إلا إذا حافظت كل الدول الأعضاء على شرف تعهدها باحترام ميثاق الأمم المتحدة». وكان همرشولد مصمماً على الاستقالة «إذا كانت للدول الأعضاء وجهة نظر أخرى»، وانسحبت دول العدوان الثلاث وعادت قناة السويس إلى مصر وأهل مصر الذين سجلوا انتصاراً تاريخياً لا ينسى.
واسمحوا لي أن أسحب عنوان المقال من أعلاه إلى أسفله: هل منظمة الأمم المتحدة... متحدة فعلاً؟