روسيا وأوكرانيا: السيف والدرع

روسيا وأوكرانيا: السيف والدرع

الجمعة - 25 جمادى الآخرة 1443 هـ - 28 يناير 2022 مـ رقم العدد [15767]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة

في الوقت الذي تقرأ فيه هذا المقال، ربما تكون القوات الروسية قد دخلت أوكرانيا، أو حتى استولت على عاصمتها كييف، في حرب خاطفة كان من شأنها أن تجعل المشير فون باولوس يشعر بالغيرة، أو ربما لن تشاهد سوى مزيد من قعقعة السيوف من قبل فلاديمير بوتين.
يوضح الاحتمالان المتناقضان - حتى لو كان أحدهما أقرب إلى الحدوث - حقيقة أن أحداً لا يعرف ما يفكر فيه بوتين، لاعب «البوكر» البارع الذي يحتفظ بأوراقه بالقرب من صدره.
ومع خوفي من أن ينتهي الأمر بإلقاء البيض على وجهي، دعوني أقول إنني أنتمي إلى المجموعة التي تعتقد أنه لن يكون هناك غزو واسع النطاق. ولدعم هذا التأكيد يمكن للمرء أن يذكر ثلاثة أسباب:
الأول، هو أن أوكرانيا ليست بالمهمة السهلة كما يعتقد بعض المحللين الغربيين. فأوكرانيا لديها قوة قتالية جاهزة قوامها حوالي 250 ألفاً، وحوالي 900 ألف من جنود الاحتياط. بالإضافة إلى ذلك، تم حشد عشرات الآلاف من الأوكرانيين من مواطني دول أوروبا وأميركا الشمالية، ولديهم بعض الخبرة العسكرية، في محمية من الدرجة الثانية لوطنهم الأصلي.
من المؤكد أن روسيا لديها ضعف عدد القوات الجاهزة للقتال، ومضاعفة عدد الاحتياطيين الذين تفتخر بهم أوكرانيا. كما تتمتع روسيا بتفوق في عدد الطائرات الحربية والدبابات والعربات المصفحة. ومع ذلك، فإن القوات الروسية لديها التزامات عديدة؛ يتعين عليها حراسة شبه جزيرة القرم التي ضمتها في عام 2014، ويتعين عليها الحفاظ على مكانة عالية في الشيشان وداغستان، وإظهار العلم بالقرب من بيلاروسيا، وحراسة الحدود التي لا نهاية لها مع الصين، وإبقاء الطغاة الودودين في السلطة في تركمانستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان، وطاجيكستان، ومشروع القوة في الجمهورية الإسلامية في إيران. وفي سياق مختلف في سوريا، تتنزه في منطقة القوقاز، وتحتفظ بوحدات خاصة من أجل مواجهة محتملة، وإن كانت أسطورية، مع حلف «الناتو». وحتى مع ذلك، فإن غزو أوكرانيا لن يكون بمثابة نزهة، إذا كانت ثمة حرب ستنشأ.
بعد ذلك، لا تمتلك أوكرانيا أي موارد طبيعية قد تطمح إليها روسيا. فبين القرنين الثامن عشر والعشرين، كانت أوكرانيا، بمروجها الغنية بالقمح، سلة غذاء الإمبراطورية القيصرية، وبفضل عنصر القوزاق في سكانها، كانت هناك منحة تجنيد خصبة لنخبة المقاتلين المرتزقة. هذان العاملان، إلى جانب حقيقة أن كييف كانت مهد الميلاد التاريخي لما كان سيصبح «العرق» الروسي، إذا كان لمثل هذا المصطلح معنى الآن، يمنحان أوكرانيا مكانة خاصة في خيال الروسي العادي.
ورغم ذلك، فقد تلاشى كل ذلك في الذاكرة التاريخية. فأوكرانيا (أو الحدود كما يصر الروس على تسميتها) ليست أكثر من قطعة أرض. وهذا شيء لم تفتقر إليه روسيا، على الأقل منذ أن تخلصت من نير المغول. أحب سولزتين أن يقول إنه بعد قضم مزيد من الأراضي التي يمكن أن تمضغها، فإن روسيا «تختنق في المنطقة».
عشية سقوط الإمبراطورية السوفياتية، نُصح الروس بالتخلص من ممتلكاتهم الإمبراطورية. في ذلك كان يُردد صدى خومياكوف، شاعر ونبي الوحدة السلافية، الذي رأى روسيا على أنها حاملة اللواء الجديدة للمسيحية (روما الثالثة)، وتسعى إلى غزو الأرواح البشرية، لا الأراضي.
العنصر الثالث في اعتقادنا بأن غزو أوكرانيا اليوم قد يكون له القليل من التبرير لروسيا، هو فقدان دورها التاريخي كـ«درع الإمبراطورية». كان كوتوزوف، الجنرال الروسي الذي هزم نابليون، يحب أن يقول إن روسيا كانت سيفه، وأوكرانيا هي الدرع. لكن حتى لو لم يكن هذا صحيحاً دائماً، فإن «الدرع» الأوكرانية لم تمنع بونابرت من الوصول إلى موسكو وحرقها.
لم تتوقف عملية «بربروسا» التي أطلقها هتلر عند «الحدود». والأسوأ من ذلك، أنه عند الحاجة، كانت روسيا مستعدة لإسقاط «الدرع» والركض إلى السهول. قدمت «معاهدة تيلسيت» في عام 1815 فكرة مسبقة عن ذلك، كما أن «اتفاقية بريست - ليتوفسك» التي وقَّعها تروتسكي مع الإمبراطورية الألمانية في الحرب العالمية الأولى، جعلت أوكرانيا تبدو وكأنها حَمَل قرباني أكثر من كونها درعاً.
لكن من الذي سيغزو روسيا اليوم؟
تحاول دعاية بوتين تصوير منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على أنها الغازي المفترض. في الوقت نفسه، يجني الكثير من أموال روسيا من بيع النفط والغاز لأعضاء «ناتو» في أوروبا، الذين، بدورهم، يسمحون لأمواله بأن تكون متداخلة في بنوكهم. ونظراً لأنه لم تكن هناك حرب أبداً من دون وجود بعض الخطوط العريضة على الأقل لهدف يجب تحقيقه، فمن الحكمة التساؤل عما يمكن أن يكسبه «ناتو» من غزو روسيا عبر أوكرانيا.
لعقود من الزمان، كان مبرر وجود «ناتو» هو مواجهة «حلف وارسو» بقيادة الاتحاد السوفياتي. لكن «حلف وارسو» لم يعد موجوداً منذ فترة طويلة، وقام أعضاء «ناتو» بتقليص الموارد والطاقات الفكرية المخصصة للحلف بشكل كبير. في الحقيقة، في عهد الرئيس باراك أوباما، تعاملت الولايات المتحدة مع «ناتو» على أنه ذريعة، بينما في عهد الرئيس جو بايدن، بدأت الولايات المتحدة في تشكيل تحالف موازٍ مع عدد قليل من الدول في نطاق الأنغلو.
علاوة على ذلك، كانت روسيا، بصفتها اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببناء نظام عالمي جديد بعد الحرب العالمية الثانية، ودُعيت للانضمام إلى خطة مارشال وعروض «ناتو» التي رفضها ستالين. كما أشارت اتفاقية هلسنكي قبيل نهاية الحرب الباردة إلى تغيير روسيا في وجهة نظر «ناتو»، من كونها تهديداً وجودياً إلى أداة للضغط الدبلوماسي والثقافي. بعد الحرب الباردة، توصلت روسيا إلى عدد من اتفاقيات التعاون مع «ناتو»، وأيدت التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.
يحاول بوتين الظهور كضحية محتملة لعدوان غير موجود. فمن خلال القيام بذلك، يأمل في كسب بعض التعاطف داخل البلاد وفي أماكن أخرى؛ حيث توفر الرموز المعادية لأميركا الملاذ الأخير للحمقاء على اختلاف مشاربهم.
وبنهج المظلومية نفسه، يحاول بوتين الترويج لأعماله الخادعة على أنها «عمل لحماية الأهل والأقارب». فعلى الرغم من عدم الاعتراف بشكل خاص بالقانون الدولي، أو باتفاقيتي فيينا وجنيف اللتين تتناولان النزاع المسلح، يمكن أن يتمتع هذا المبدأ بدرجة من الشرعية الأخلاقية. ولكن حتى ذلك الحين، لن ينطبق ذلك على أوكرانيا؛ لأن الدولة التي تتخذ من كييف مقراً لها لا تضطهد أياً من ذوي الأصل الروسي أو أتباع الكنيسة الأرثوذكسية. فبكل المقاييس، يرغب غالبية الأوكرانيين في النأي بأنفسهم عن روسيا، للاقتراب من ديمقراطيات أوروبا الغربية. قد يكونون مخطئين في ذلك، ولكن من المؤكد أن لديهم الحق نفسه في ممارسة سيادتهم الوطنية مثل أي عضو آخر في الأمم المتحدة.
يبدو أن بوتين يحلم بفرض طوق صحي لروسيا، كونه درعاً ثقافية وسياسية أكثر من كونه طبقة جليدية من الناحية العسكرية. فهو يريد روسيا محاطة بالدول الفنلندية، من الصين إلى حوض بحر قزوين والشرق الأوسط وشرق ووسط أوروبا.
وبدلاً من التهديد بالغزو، يتعين على بوتين محاولة جعل روسيا التي ينتمي إليها جذابة للغاية، بحيث يرغب الأوكرانيون وغيرهم في اختيارها كنموذج، بدلاً من النظر إلى الديمقراطيات الغربية القديمة. ومع ذلك، فإن هذا يعني أنه يجب على روسيا أن تتغير وتتعامل مع أزمة الهوية المستمرة منذ قرون، بين التطلعات الأوروبية والمخاوف الآسيوية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو